لمــاذا تــم إبعـــاد “التجمـــع الوطنــي للأحــــرار”؟

بقلم عبد الهادي مزراري| بمجرد طرح هذا السؤال في تدوينة نشرتها هذا الصباح، توالت التعليقات في شكل إجابات من مواطنين، كل يفسر أمر إبعاد حزب “الحمامة” من المشاركة في الحكومة الجديدة من الزاوية التي يتابع منها المشهد السياسي الوطني.

مقالات ذات صلة

مباحثات عسكرية ليبية مغربية في الرباط لبحث تعزيز التعاون المشترك

​”العدالة والتنمية” يندد بزيارة ملك إسبانيا لسبتة ويؤكد: “الوحدة الترابية للمملكة كلٌّ لا يتجزأ”

البطولة| تعادلاً مثيران يشعلان الجولة الرابعة

سبتة ومليلية.. “جون أفريك”: زيارة فيليبي السادس تفتح جراح الاستعمار الأوروبي في أفريقيا

جزء من التعليقات يتضمن جزء من الحقيقة، ولكن الأحداث السياسية في المغرب لا يمكن فهمها من خلال التحليل السياسي، لأن فهمها يحتاج فقط إلى معلومات صحيحة. بينما نسبة كبيرة من تلك المعلومات تبقى محفوظة في العلبة السوداء ولا تخرج إلى العلن.

ما حدث لحزب التجمع الوطني للأحرار أكثر من مسألة استغناء أو إبعاد، ولكنها قضية عقاب نزل بهذا الحزب. كيف حصل ذلك؟ ومن هي الجهة التي عاقبته؟ وما هو الهدف من طرده خارج مربع السلطة؟

قبل الجواب على هذه الأسئلة، أنقل القراء الأعزاء إلى لقاء جمعني برئيس حزب التجمع الوطني للأحرار ومؤسسه السيد أحمد عصمان بمقر إقامة سكناه في الرباط في عام 2004. وكانت المناسبة إجراء حوار معه في إطار التحولات التي بات المشهد السياسي يشهدها بالتزامن مع العهد الجديد في ذلك الوقت.

▪︎ عبد الهادي مزراري

▪︎ عبد الهادي مزراري

كان الرجل لبقا ومهذبا وذكيا، وكنت إذا سألته سؤالا يجيب، ويضيف “يمكنك نشر هذا”، ومرة يقول “هذا ليس للنشر، فقط لإحاطتك علما”.

من بين الأمور الكثيرة التي أحاطني بها علما واحفتفظ بها لوقتها، كان جوابه على سؤال طرحته عليه وهو الآتي “في ظل ما يعرفه المشهد السياسي من تحولات، هل أنتم مطمئنون على مستقبل حزب التجمع الوطني للأحرار؟”.

قال كلاما كثيرا، ولكن من أهم ما قال وطلب عدم نشره “حزبنا يجب أن يظل حزب الوسط بامتياز، ولكن ما أخشاه عليه وأنا في هذا العمر أن يأتي غرباء من أقصى المدينة وينقضوا عليه كما تفعل الجوارح من الطيور، لا يفقهون شيئا في السياسة ويندفعون بقوة لجعله في ميدان الرماية”.

قلت له: ماذا تقصدون بميدان الرماية؟

أجاب “أن يكون في المقدمة، ويقوده أشخاص بلا حس سياسي”.

مر على ذلك اللقاء 22 عاما، وتعاقبت على رئاسة الحزب ثلاث شخصيات، مصطفى المنصوري، وصلاح الدين مزوار، وعزيز أخنوش(لا داعي لذكر محمد الشوكي)، وكلما جاء رئيس جديد منهم أبعد الحزب عن مركزه بمسافة تكبر عن مسافة سالفه حتى وصل الأمر بين يدي أخنوش، الذي نقل حزب الحمامة من نقطة الوسط إلى مربع الهجوم.

مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية ل 8 شتنبر 2022، وتعيين عزيز أخنوش رئيسا للحكومة، كتبت حينها رسالة مفتوحة إليه من ضمن ما جاء فيها “لم تعد الإديولوجيا عمودا فقريا في جسم السياسة، ولم تعد الجماهير تعير مسامعها للخطباء الذين يعتلون المنابر، وإنما أصبحت السياسة معادلة رقمية. ومن هنا يجب توجيه رسالة إلى السيد رئيس الحكومة الجديد، لكي يضع في الاعتبار أن الوعد دين، وأنه سلك طريقا مختلفا عن باقي الأحزاب الأخرى، التي تعتمد على مرجعيات بعضها ديني، وبعضها إيديولوجي، وبعضها تاريخي.

إنه سلك طريق الرقمنة، وهو اليوم أمام مجتمع، لا يتوقف عن تفقد الحسابات في هاتفه، في البنك، في العمل، في البيت حتى في صفحاته على مواقع التواصل الاجتماعي. على السيد رئيس الحكومة الجديد، أن يعرف بأن نهاية الحساب تبدأ من أول رقم في العملية، ومن البداية تصنع النهاية”.

قدم حزب التجمع الوطني للأحرار وعودا فاخرة للمغاربة، مفرطا في التأكيد على تحقيقها، واعدا إياهم بأن أيامهم المقبلة ستكون أفضل بكثير من السنوات العشر التي قضوها مع حكومة حزب العدالة والتنمية.

في زمن سابق تحدث عبد الرحمن اليوسفي الوزير الاول (1998-2002) عن وجود عراقيل في وجه الإصلاح وصفها ب”جيوب المقاومة”، وتدرع عبد الإله بنكيران من بعده (2011-2016) بوجود من أسماهم “العفاريت والتماسيح”، قال انها لم تترك له مجالا لتغيير الأوضاع المعيشية للمغاربة نحو الأفضل.

بالنسبة لعزيز أخنوش لم يرد على لسانه أنه واجه أي مشكلة في تنزيل برنامج حزبه، بل أفرط كثيرا القول إن حزبه حقق السعادة للمغاربة، وذهبت عناصر من فريقه وزراء وبرلمانيبن أبعد من ذلك في التأكيد على أن الأوراش التي تم إنجازها في عهدهم لم يشهد المغرب لها مثيل من ذي قبل.

لم يكن من المنطق أن يردد عزيز أخنوش ما كان يقوله اليوسفي أو بنكيران، لأنه لم يأت من المعارضة، ولأنه أيضا لم يكن يرى في طريقه لا عفاريت ولا تماسيح. في المقابل كان يحظى بأكبر فرصة لم تعرفها أي حكومة قبله. وهذه الفرصة تشكلت من أربعة دعائم أساسية وهي:

1- حظيت حكومة عزيز اخنوش بدعم ملكي قوي تجسد في تكليفها بتنفيذ أهم المبادرات الملكية المتصلة بمفهوم الدولة الاجتماعية، بموازاة مع حصولها على الاستفادة من كافة صناديق الدعم. وهذا كان من شأنه لو استعمل على الوجه الصحيح أن يعطي لحزب التجمع الوطني للأحرار شرف تحسين وضعية العيش للمغاربة ونقلها إلى مستوى مزدهر يعود على سمعته بشعبية أكبر، وهو امر لم يحصل.

2- لم يسبق لأي حزب سياسي في المغرب أن قاد الحكومة وفي الوقت نفسه يقود المجالس البلدية والإقليمية والجهوية عبر كافة تراب المملكة بشراكة مع تحالف الاحزاب في ائتلافه الحكومي. وهو ما يعني أن الحكومة كانت لها سيطرة مطلقة على المؤسسات المنتخبة وطنيا وجهويا ومحليا. الأمر الذي كان سيساعد بشكل اكبر على تكريس التنمية المجالية عبر كافة مناطق البلاد. وهو أمر لم يحصل.

3- لم يسبق أن تمتع حزب بقيادة الحكومة في المغرب في غياب المعارضة، مثلما حظي حزب التجمع الوطني للأحرار بهذه الفرصة المثيرة للجدل. وهو ما جعلها تشتغل بكل اريحية وتستمتع بمنطقة رفاهية غير مسبوقة في تاريخ البرلمان.

4- بما أن حزب التجمع الوطني للاحرار يتشكل من طبقة مهمة من رجال المال والأعمال، فقد كان الأوفر حظا في إيجاد الحلول الاجتماعية الذكية لكل المشاكل العالقة بين الطبقة الشغيلة وأرباب العمل، وتوفير المناخ الاكثر ملاءمة للاستثمار المنتج.

لم يستغل حزب التجمع الوطني للأحرار هذه الدعائم الأربعة في بناء علاقة الثقة مع المواطنين، واعتبرها في المقابل دعائم لتعزيز مركزه وتقوية نفوذه. وظل واثقا من نفسه ثقة قياديبه بأنفسهم.

بعض قيادي الحزب حسم نتائج الانتخابات حتى قبل حلول موعدها، واعتبروا أنفسهم “حكومة المونديال” كما راق لهم تسميتها. وظن الجميع أن الجولات المكوكية، والزرابي المبثوتة، وموائد الطعام تحت الخيام المنصوبة، والرقصات الشعبية، والتصريحات النارية ستشفع للحزب لمحو ذنوب بحجم الجبال ارتكبها في مناسبات لا تنمحي من ذاكرة المغاربة بسهولة، كان أبرزها حرمانهم من أضاحي العيد.

لم تكن نتائج اقتراع 23 شتنبر 2026 وحدها العقاب الذي حل بالحزب وأفقده 36 مقعدا، مقارنة بانتخابات 2021، ولكن العقاب الأقصى هو رفض دخوله إلى الحكومة الجديدة برئاسة حزب الأصالة والمعاصرة، حتى بعد تأكيده رغبته في المشاركة فيها دون شروط مسبقة.

كان برلمان حزب “الجرار” عبر عن رفض التحالف من جديد مع حزب “الحمامة”، وأبلغ رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري بذلك. لكن هل فعلا هذا هو السبب الوجيه لرفض شريك مثالي مثل حزب الاحرار؟

لماذا فكر قياديو الجرار بهذه القسوة ضد حزب كانوا بالأمس القريب معه إخوانا آمنين؟ ألا توجد هناك نوايا مبيتة لدهس الحمامة الودبعة تحت عجلات الجرار التي لا ترحم؟

ثمة سبب رئيسي يمكن التكهن بشأنه جعل حزب الجرار يفكر بطريقة مختلفة في لحظة حاسمة تزامنت مع التحاق فوزي لقجع بالحزب في الدقيقة التسعين من عمر حكومة عزيز اخنوش.

بدا الأمر مثل تيار بارد قادم فجأة من القطب الشمالي، وألحق ضررا بدرجة الحرارة التي تدنت في أجساد قياديين في حزب الجرار انفسهم قبل أن تنتقل إلى المشهد السياسي وتحول صيف حزب الحمامة إلى زوبعة من الامطار المصحوبة بالبرق والرعد.

كال فوزي لقجع ومعه قلة من قيادي الجرار اتهامات ثقيلة لحزب الحمامة ولقيادييه، بعضها وصل إلى رفع الورقة الحمراء، إلى درجة اعتقد قسم من الرأي العام أن النيابة العامة على أهبة فتح تحقيق في اختلالات الحكومة المتتهية ولايتها.

عن تلك الاختلالات ومن يتحمل المسؤولية بشأنها (حزبي البام والميزان كانا بدورهما في الحكومة)، لكن حاجة حزب البام اليوم تفرض عليه فتح صفحة جديدة، وفي السياسة لا صداقة دائمة ولا عداوة دائمة. وطبقا لهذه القاعدة يكون إلقاء حزب الحمامة على قارعة الطريق أفضل وسيلة للجرار كي يثبت جدارته ويفتح صفحة نقية مع قسم مهم من الرأي العام الشعبي، بحسب ما يراه الجراريون خطة ناجحة.

بمنطق مباريات التصفية وإقصاء الخصم، تم جر حزب الحمامة إلى ميدان الرماية، كما توقع مؤسسه أحمد عصمان، وذلك لأن أشخاصا تولوا قيادته أفرطوا في السرعة ولم يكن لديهم حس سياسي يمنعهم من ارتكاب الأخطاء القاتلة، ولم يحسنوا استغلال الفرص التي منحت إليهم في طبق من ذهب، بل كادوا يعرضون استقرار البلد للخطر في أوقات مباغثة خارجة عن السيطرة.

السؤال هل يأخذ حزب الاصالة والمعاصرة العبرة من حليفه السابق أم أنه سيقع في الاخطاء نفسها؟ ذلك ما سنعرفه في القادم من الأيام.

تعليقات( 0 )

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

مقالات ذات صلة

مباحثات عسكرية ليبية مغربية في الرباط لبحث تعزيز التعاون المشترك

​”العدالة والتنمية” يندد بزيارة ملك إسبانيا لسبتة ويؤكد: “الوحدة الترابية للمملكة كلٌّ لا يتجزأ”

البطولة| تعادلاً مثيران يشعلان الجولة الرابعة

سبتة ومليلية.. “جون أفريك”: زيارة فيليبي السادس تفتح جراح الاستعمار الأوروبي في أفريقيا

انتخاب أحمد التويزي رئيساً جديداً لمجلس النواب بـ 220 صوتاً

أكاديــمي تــونسي: لا تحشــروا تــونس !