بقلم- إستيبان فياريجو| في عالم الدبلوماسية، نادراً ما تكون الكلمات عفوية أو خالية من المآرب، ويزداد الأمر أهمية عندما تصدر عن رئيس الدولة. تتيح لنا مراجعة تطور خطاب الملك عقب «الاقتحام الجماعي» لسبتة ومليلة تتبع مسارٍ بدأ بالتحفظ والحيطة الأوليين، ووصل إلى تأكيد قاطع لا لبس فيه على السلامة الإقليمية للبلاد. فالأمر لا يعبر عن قطيعة مع العقيدة الدبلوماسية، بل يعكس حزماً متزايداً في الصياغة العلنية للمبادئ التي ترتكز عليها الموقف الإسباني.
مقالات ذات صلة
ما بعد الإعفاء.. حين تفتح “الوثيقة” باب المكاشفة الشاملة..
مشروع قانون مالية 2027: خمس أولويات كبرى لترسيخ الدولة الاجتماعية وتقوية السيادة الاقتصادية
تعادلان قاريان للرجاء و”الماص” في ذهاب الدور التمهيدي لمنافساتي الأبطال والكونفدرالية
تجريد وزيرة التكوين المهني من مهامها يعيد ملف “التسريبات” إلى الواجهة وتحليلات تطالب بـ”المكاشفة الشاملة”
▪︎ غشت: الحذر من القصر الملكي في ماريبينت
فاجأت الأزمة الملك فليبي السادس أثناء تواجده في قصر ماريبينت. وقد أجبر الدخول الجماعي لنحو 80 ألف شخص إلى سبتة —غالبيتهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عاماً— المؤسسات على التحرك لمواجهة موقف على قدر كبير من الخطورة، مع التحدي الإضافي المتمثل في تجنب تسبب التوتر الحدودي في الإضرار بالعلاقات مع المغرب.
جمعت الرسالة الأولى للملك بين «القلق البالغ والانزعاج» والدعوة إلى منع تكرار هذه الأحداث. كما طالب السلطات العامة بـ «الحزم والوحدة» دعماً للمؤسسات وللمواطنين المتأثرين.
كانت النبرة حازمة ولكنها متزنة وضابطة للنفس؛ في حالة ترقب. وفي ظل غياب اتصال علني مع الملك محمد السادس أو زيارة فورية للمدينتين اللتين تتمتعان بالحكم الذاتي، اختارت المؤسسة الملكية تقديم الدعم المؤسسي دون تصعيد التوتر في علاقة ثنائية تتسم بالحساسية الشديدة. وتأكد هذا الموقف خلال اللقاء الذي جمعه مع خوان خيسوس بيباس، رئيس حكومة سبتة المحلية، في قصر ماريبينت في 6 أغسطس.
▪︎ شتنبر: سبتة.. حدود أوروبية
ربما كان الحدث الذي ظهر فيه الملك بأقل درجات الحزم خلال هذه الفترة بأكملها هو كلمة ألقاها في 15 سبتمبر بمناسبة افتتاح العام الدراسي 2026/2027 بالمدرسة الوطنية للحماية المدنية، حيث اكتفى بوصف أحداث سبتة بأنها مجرد «ظرف على قدر استثنائي من التعقيد». كانت تلك أولى كلماته العلنية بعيداً عن البيانات الرسمية أو اللفتات الرمزية أو الرسائل المنشورة على شبكات التواصل الاجتماعي بمناسبة يوم سبتة.
مع ذلك، جاءت نقطة التحول الكبرى في 29 سبتمبر أمام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القصر الملكي بمدريد. فخلال مأدبة العشاء الرسمية، نقل فليبي السادس الأزمة إلى نطاق الأمن الأوروبي، قائلاً: «يجب أن نكون أكثر فاعلية وتضامناً في حماية الحدود الخارجية للاتحاد». ووصف الملك ما حدث في سبتة بـ «الاقتحام الجماعي لعشرات الآلاف من الأشخاص في انتهاك لحدد إسبانية هي أيضاً حدود أوروبية»، قبل أن يختتم بالقول: «هذا أمر غير مقبول». وكانت النبرة في تصاعد مستمر.
سجل اختيار المصطلحات تحولاً في تركيز الخطاب؛ فلم تعد الأزمة تُعرض فقط كطوارئ هجرة يتعين على إسبانيا إدارتها بمفردها، بل تحولت إلى مسألة مسؤولية جماعية أوروبية، وقضية تمس الحدود والأمن القومي والدفاع. فإذا كانت سبتة تشكل أيضاً حدوداً خارجية للاتحاد الأوروبي، فإن حمايتها لا يمكن أن تقع حصراً على عاتق السلطات الإسبانية.
▪︎ أكتوبر: دفاع شامل بزاوية 360 درجة
في 7 أكتوبر، وبجامعة لابالاند في فنلندا، وسّع فليبي السادس هذا الطرح ليشمل مجالي الأمن والدفاع. وفي سياق خيمت عليه المخاوف بشأن منطقة القطب الشمالي والجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، دافع الملك عن مفهوم شامل للأمن الأوروبي، مؤكداً على ضرورة التطلع نحو الجنوب أيضاً. وأوضح قائلاً: «إن أي تهديد للجناح الجنوبي هو أيضاً تهديد للجناح الشمالي». وأضاف أن أوروبا تشكل «حدوداً واحدة»، وبالتالي عندما يتعرض دولة عضو للهجوم أو التهديد، فإن «الاتحاد بأكمله يتعرض لذلك».
كانت الفكرة واضحة: لا يمكن فهم الأمن الأوروبي كمجموعة من الساحات المعزولة عن بعضها. فإسبانيا تسهم في الدفاع الجماعي في شرق القارة، والضغط الممارس على حدودها الجنوبية يتطلب، من باب المعاملة بالمثل، اهتماماً مكافئاً. وكان الملك يلمح إلى أن التضامن الأوروبي لا ينبغي أن تقيده حدود جغرافية.
▪︎ سبتة: السيادة لا تقبل التفاوض
في 13 أكتوبر، بلغت النبرة ذروة حزمها. فبعد اثني عشر عاماً من اعتلاء العرش، وفي أول زيارة له كملك إلى سبتة، ألقى فليبي السادس تصريحاً قاطعاً بشأن السيادة الوطنية في المدينة ذاتية الحكم، متناولاً بأسلوب عميق الطرح قضايا السيادة، والهوية الإسبانية، وإدارة إعادة المهاجرين غير النظاميين.
وصرح قائلاً: «سبتة ومليلة جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي والوطني الذي يمثل إسبانيا». وبدد أي إمكانية للغموض بقوله: «إن سيادة بلدنا وسلامته الإقليمية ليستا محلاً للتفاوض؛ بل هما أمران غير قابلين للنقاش». كان للمكان نفس أهمية الكلمات؛ فمن سبتة، وأمام مواطنيها، وبعد أزمة اختبرت قدرة الحدود، أعاد الملك التأكيد على انتماء المدينة لإسبانيا واستبعد أن تصبح سيادتها موضوعاً للمساومة.
وتضمنت الرسالة أيضاً إشارة إلى المغرب، حين ربط حسن الجوار بـ «حسن النية من كلا الطرفين»؛ وهي صيغة تجمع بين الرغبة في الحفاظ على علاقة بناءة واشتراط المعاملة بالمثل. فالتعاون الثنائي، في نهاية المطاف، لا يمكن خلطه بالتخلي عن المبادئ الأساسية للدولة.
فضلاً عن ذلك، وجه الملك مطالبات صريحة قائلاً: «إن من دخلوا بلدنا بشكل غير قانوني يجب —كقاعدة عامة— أن يعودوا إلى موطنهم الأصلي، في أسرع وقت ممكن وعبر القنوات المحددة قانوناً. وطالما تواجدوا بيننا، يجب التعامل معهم دائماً بكرامة وإنسانية، ومع كفالة كافة الضمانات التي ينص عليها قانوننا». وبذلك، دخل الملك بعداً خطابياً جديداً، ربما في أقوى خطاب له منذ 3 أكتوبر 2017، عقب الاستفتاء غير القانوني في كتالونيا. وتكرر هذا النهج ذاته، مع التركيز على الإرادة الحاسمة للدفاع عن قيم البلاد، في اليوم التالي بمدينة مليلة.
تشكل هذه الخطابات دليلاً على أن الدفاع عن السلامة الإقليمية أمر غير قابل للتفاوض. وتكتسب هذه الفكرة بروزاً وحزماً متزايدين كلما اتسعت رقعة المواجهة: بدءاً من حالة الطوارئ الحدودية، مروراً بالمسؤولية الأوروبية، وصولاً إلى تأكيد السيادة ميدانياً. يأتي كل ذلك في فترة ما قبل الانتخابات، حيث ستصبح الدعوة إلى الحذر في جدول أعمال القصر الملكي هي القاعدة السائدة؛ ولن تتخللها سوى محطة بارزة واحدة: القمة الإيبيرو-أمريكية الثلاثون (4-5 نوفمبر).
والخلاصة لا لبس فيها: تحتاج إسبانيا إلى التعاون مع المغرب وإلى تضامن شركائها الأوروبيين، لكن أياً منهما لا يمكن أن يضع السلامة الإقليمية للدولة محط تشكيك. وفي سبتة، عبر فليبي السادس عن ذلك دون مواربة أو مواربة لفظية.

تعليقات( 0 )