الرباط — 212News | في ظل التنافس القاري على إعادة تشكيل مسارات إمدادات الطاقة نحو الأسواق الدولية، يفرض أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي (المغرب – نيجيريا) نفسه كأحد أكثر المشروعات الاستراتيجية طموحاً وواقعية. فالمشروع الممتد على مسافة تتجاوز 6,900 كيلومتر يقطع شواطئ 13 دولة إفريقية، ليتحول من مجرد خط لنقل الهيدروكربونات إلى نواة صلبة لسوق إفريقية مشتركة تُعيد ربط غرب القارة وشمالها بالعمق الأوروبي.
مقالات ذات صلة
تعزيزاً للشراكة الاستراتيجية.. المغرب يتسلم دفعة جديدة من مروحيات “أباتشي AH-64E” الأمريكية
جدل حول تمويل القطارات في المغرب.. تقرير إسباني يثير ردود فعل وتوضيحات بشأن طبيعة “القرض”
مؤشرات الأمن الغذائي والاعتماد على الاستيراد في المنطقة المغاربية: المغرب أقل اعتمادا .. وليبيا الأكثر اعتمادا
مجال جوي مغلق وذاكرة منسية: لماذا يرفض الليبيون عودة الطيران الجزائري؟
1. تقييم الميدان: البنية التحتية والمقاطع المنجزة
على عكس القناعة السائدة بأن المشروع يبدأ من النقطة صفر، تعتمد الهندسة التنفيذية للأنبوب الأطلسي على دمج واستغلال بنيات تحتية قائمة ومُستغلة بالفعل تشكل نحو 29% من مساره الإجمالي:
الجنوب الإفريقي: أنبوب غاز غرب إفريقيا (WAGP) الممتد من نيجيريا إلى غانا (~ 678 كم).
الشمال المغربي: أنبوب الغاز المغاربي – الأوروبي (GME) الممتد داخل الأراضي المغربية نحو إسبانيا (~ 1,300 كم).
ومع اكتمال الدراسات الهندسية التفصيلية (FEED) والتوقيع على الاتفاقية الحكومية الدولية (IGA) مع دول مجموعة “سيدياو”، تتركز الترتيبات التمويلية للانتقال إلى بناء المقاطع المتبقية (71% / ~ 4,900 كم)، والتي تنقسم إلى الجسر البحري الأوسط بين غانا والحدود المغربية (~ 2,700 كم)، والمقطع الناقل الداخلي عبر الساحل المغربي (~ 2,200 كم).
2. مواجهة المشروعات: الأنبوب الأطلسي في مقابل الأنبوب العابر للصحراء (TSGP)
تُشكل المقارنة الشاملة بين الأنبوب الإفريقي الأطلسي (NMGP) والأنبوب العابر للصحراء (TSGP عبر النيجر والجزائر) نقطة حسم في مفاضلة المؤسسات الماليّة والدولية للجدوى الاستثمارية.
أ. الجيوسياسة والأمن:
الأنبوب الصحراوي (TSGP): يواجه عقبة كودية تتمثل في مروره عبر بؤر التوتر الأمني في الساحل والصحراء، وتحديداً داخل الأراضي النيجيرية والنيجرية، مما يرفعه إلى الدرجة القصوى في مؤشرات المخاطر الأمنية (Security Risks) ويضاعف تكاليف الحراسة والتأمين الدولي.
الأنبوب الأطلسي (NMGP): يمر بنسبة 70% في مياه المحيط الأطلسي أو بمحاذاة الشواطئ المستقرة لـ 13 دولة، متفادياً جغرافيا الاضطرابات السياسية وموفراً بيئة استثمارية آمنة للممولين.
ب. البيئة والمناخ وتكلفة الصيانة:
تحدي الصحراء: الفوارق الحرارية الحادة في الصحراء (من 50°م نهاراً إلى درجات متدنية ليلاً) تتسبب في إجهاد ميكانيكي للمعدن (Thermal Cycling)، وتخفض كفاءة محطات الضغط بنسبة تصل إلى 25% بفعل حرارة الجو، إضافة إلى عوائق الكثبان الرملية المتحركة.
الميزة البحرية: مياه المحيط الأطلسي (4°م – 12°م) توفر تبريداً طبيعياً ومستقراً للغاز يرفع كفاءة التدفق، وتتلافى التغيرات المناخية، مما يخفض المصاريف التشغيلية (OPEX) على المدى الطويل.
ج. الفلسفة الاقتصادية والمردودية:
خط الترانزيت الأحادية (TSGP): يعمل الأنبوب الصحراوي كـ “أنبوب ترانزيت مغلق” ينقل الغاز من نقطة الإنتاج للوصول إلى محطات التصدير دون تقديم عوائد تنموية للدول العابرة.
المنظومة التنموية المزدوجة (NMGP): يربط الأنبوب الأطلسي شواطئه بـ محطات ضغط ساحلية برية كل 150 إلى 250 كم؛ وتؤدي هذه المحطات وظيفة مزدوجة: إعادة ضخ الغاز، والتوزيع المحلي لتزويد مصانع ومحطات كهرباء الدول العابرة، مما يولد تدفقات مالية مبكرة تعيد سداد الاستثمار التأسيسي.
3. المكاسب الاستراتيجية للمملكة المغربية والامتداد الأوروبي
بالنسبة للمغرب، يُمثل المشروع حجر الزاوية في بناء “السيادة الطاقية” والتنمية الأطلسية:
خفض تكلفة التصنيع في الجنوب: توفير الغاز الطبيعي للمجمعات الصناعية والفوسفاطية (OCP) في الأقاليم الجنوبية، ولدعم محطات تحلية المياه وتوليد الكهرباء، مع تعزيز التحول نحو الهدف الوطني للمشاريع النظيفة (+52% بحلول 2030).
بوابة التصدير الحصرية: امساك المغرب بمحطة الربط النهائية بوزان يجعله الممر الحصري للغاز الإفريقي نحو أوروبا، واستفادته من عوائد رسوم العبور (Transit Fees).
فرصة جزر الكناري: يتيح قرب المسافة البحرية (100-150 كم) مد فرع حتّي نحو جزر الكناري الإسبانية، لتزويد الأرخبيل بالغاز اللازم لتشغيل محطات الكهرباء وتحلية المياه، مما يحول جنوب المغرب إلى مزود مباشر لأراضٍ خاضعة للتشريعات الأوروبية.
4. النواة الصلبة لسوق إفريقية مشتركة
يُنهي هذا المشروع منطق العلاقات الفردية بين دول غرب وإفريقيا وشمالها، متحوّلاً إلى محرك هيكلي لمنطقة التجارة الحرة القارية (AfCFTA). فهو يربط الدول المنتجة للغاز (نيجيريا، السنغال، موريتانيا) بالدول المستهلكة، ويؤسس لإنشاء سوق إقليمية لتداول الطاقة، ودعم تصنيع المعادن والأسمدة محلياً، وتأمين جدار أمني واقتصادي لحماية الواجهة الأطلسية القارية.
بينما يظل الأنبوب العابر للصحراء رهيناً للتعقيدات الأمنية والظروف البيئية القاسية، يُثبت أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي أنه الخيار الأكثر أماناً وفعالية وربحية. ومع تنفيذ المشروع عبر مراحل متتالية، تترسخ مكانة الأنبوب كخيار استراتيجي واقعي لتأمين أمن الطاقة الإقليمي والدولي مع حلول العقد القادم.

تعليقات( 0 )