بين صناديق الاقتراع ومقص “العمال”: هل نعيش ديمقراطية محلية حقيقية؟

هيئة التحرير- 212News | ​تطرح واقعة رفض عمال عمالات وأقاليم بجهات كبرى كالدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، ومراكش-آسفي، التأشير على اتفاقيات شراكة لدعم الجمعيات —رغم المصادقة عليها في دورات ماي العادية— سؤالاً قديماً متجدداً يمس جوهر المسار الديمقراطي في بلادنا: ما الفائدة من إجراء انتخابات، وتشكيل مجالس بلدية وجهوية، إذا كان القرار الأول والأخير يظل رهيناً بـ “جرة قلم” من ممثلي الإدارة الترابية ووزارة الداخلية؟

مقالات ذات صلة

​”العدالة والتنمية” يندد بزيارة ملك إسبانيا لسبتة ويؤكد: “الوحدة الترابية للمملكة كلٌّ لا يتجزأ”

البطولة| تعادلاً مثيران يشعلان الجولة الرابعة

سبتة ومليلية.. “جون أفريك”: زيارة فيليبي السادس تفتح جراح الاستعمار الأوروبي في أفريقيا

انتخاب أحمد التويزي رئيساً جديداً لمجلس النواب بـ 220 صوتاً

​الظاهر من سياق قرارات الرفض الأخيرة أنها تستند إلى مبررات تقنية ورقابية، تتمثل في تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية وملاحظات قضاة المجالس الجهوية للحسابات التي رصدت اختلالات في أوجه صرف الدعم العمومي لبعض الجمعيات. وقد يرى البعض في هذا التحرك “حماية للمال العام” من استغلال سياسوي، خاصة مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية. لكن، وراء هذه الواجهة الرقابية، تتبدى إشكالية بنيوية أعمق تفرغ المفهوم الدستوري لـ “التدبير الحر” من محتواه.

المرجعية الدستورية بين نص “التدبير الحر” وواقع “الرقابة الإدارية”

​يفجر التوتر الأخير بين المجالس المنتخبة والإدارة الترابية نقاشاً قانونياً قديماً حول مدى التزام الممارسة الميدانية بروح الوثيقة الدستورية للمملكة؛ إذ يرتكز التنظيم الترابي بالأساس على فلسفة تمكين المنتخبين، وهو ما يظهر في فصلين رئيسيين:

​الفصل 136 (مبدأ التدبير الحر): ينص صراحة على أن التنظيم الجهوي والترابي يقوم على مبدأ “التدبير الحر”، وهو المبدأ القانوني الذي يمنح المجالس المنتخبة الاستقلالية الكاملة في اتخاذ قراراتها، وتدبير شؤونها، وتنزيل برامجها التنموية والمالية بناءً على الشرعية الشعبية المستمدة من صناديق الاقتراع، بعيداً عن التدخل القبلي التوجيهي.

​الفصل 145 (حدود أدوار العمال والولاة): يحدد الدستور أدوار الولاة والعمال بوضوح في “تمثيل السلطة المركزية، وتنسيق أنشطة المصالح اللاممركزة، والسهر على تطبيق القوانين، وممارسة المراقبة الإدارية”.

​وتكمن الثغرة القانونية والسياسية في تحوير مفهوم “المراقبة الإدارية البعدية” (التي تتثبت من مطابقة القرارات للقوانين وتترك الفصل للقضاء الإداري) إلى “وصاية قبلية مطلقة” عبر آلية “التأشير”، مما يجعل سلطة التعيين الإداري حاكمة ومفرملة لسلطة المنتخب الشعبية، ويتنافى مع جوهر الحكم الجهوي والذاتي للأقاليم.

​إن استمرار هيمنة سلطة الوصاية (الإدارة المعينة) على سلطة القرار (المجالس المنتخبة) يضعنا أمام مفارقة صارخة تنطوي على عدة تساؤلات حارقة:

​أولاً: كيف يمكن التوفيق بين شعارات “الجهوية المتقدمة” والحكم الذاتي للأقاليم، وبين واقع يملك فيه الوالي أو العامل سلطة الفيتو المطلق على قرارات ممثلي الشعب؟

​ثانياً: إذا كان المنتخبون مجرد “مقترحين” ينتظرون صك الغفران والتأشير من سلطة المعينين، ألا يحول ذلك العمل الجماعي إلى مجرد واجهة بروتوكولية تؤثث المشهد دون فاعلية حقيقية؟

​ثالثاً: ما الذي يدفع المواطن مستقبلاً للتوجه إلى صناديق الاقتراع، إذا كان يعلم مسبقاً أن مصير التنمية في حيه أو مدينته لا يصنعه من صوّت عليهم، بل تصنعه مكاتب العمالات المغلقة؟

​إن محاربة الفساد المالي وضبط قنوات دعم المجتمع المدني أمر لا يختلف عليه اثنان، لكن آلياته يجب أن تمر عبر القضاء والمحاسبة البعدية، لا عبر خنق الإرادة السياسية للمجالس وتكبيل حركتها بـ “الوصاية القبلية” التي تتنافى مع روح الديمقراطية المحلية. الوضع الحالي لم يعد قابلاً للاستدامة، لأنه يكرس نوعاً من “الفرملة” المؤسساتية ويقوض منسوب الثقة في العملية السياسية برمتها.

​ألم يحن الوقت بعد لتغيير هذه القواعد والانتقال نحو مجالس منتخبة حقيقية، تملك الصلاحيات الكاملة والمسؤولية المطلقة في تقرير مصير من انتخبوها؟ إن الديمقراطية لا تستقيم بنصف تفويض، والحكم الجهوي الناجح يتطلب بالضرورة رفع يد الإدارة عن القرار المحلي، وترك صناديق الاقتراع وأدوات المحاسبة القانونية والقضائية هي الحكم الوحيد.

تعليقات( 0 )

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

مقالات ذات صلة

​”العدالة والتنمية” يندد بزيارة ملك إسبانيا لسبتة ويؤكد: “الوحدة الترابية للمملكة كلٌّ لا يتجزأ”

البطولة| تعادلاً مثيران يشعلان الجولة الرابعة

سبتة ومليلية.. “جون أفريك”: زيارة فيليبي السادس تفتح جراح الاستعمار الأوروبي في أفريقيا

انتخاب أحمد التويزي رئيساً جديداً لمجلس النواب بـ 220 صوتاً

أكاديــمي تــونسي: لا تحشــروا تــونس !

فيليبي يحل بسبتة المحتلة وسط استحضار لمواقف الرباط بشأن الشراكة الثنائية