الرباط- 212News | تظهر الحوارات الإعلامية الدورية للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بوضوحٍ لا يدع مجالاً للشك أن الدبلوماسية الجزائرية، وفي إطار سعيها لترسيخ موقعها الإقليمي، باتت تتحرك ضمن هامش يتحدد أساساً بمدى تقاطع خطواتها مع المبادرات المغربية. فبدلاً من صياغة إستراتيجية خارجية قائمة على المبادرة وتنمية المصالح الذاتية المستقلة، تكشف التصريحات الرسمية أن الملف المغربي ونزاع الصحراء يشكلان الهاجس الأكبر الذي يُحدد أولويات الجزائر الخارجية، وتنعكس آثاره بشكل مباشر على علاقاتها القارية والدولية.
مقالات ذات صلة
استنفار امني وتوقيفات مرتقبة.. تفاصيل تبادل إطلاق نار بين مروجي مخدرات بغابة “33” نواحي المحمدية
رهان العبور الكبير.. حكومة الكفاءات على مشارف مغرب 2030
الرباط تحتضن المؤتمر الإقليمي الأول للناتو وشركائه حول مراقبة وتدبير الأسلحة الخفيفة والصغيرة
البطولة| قمة المحمدية تنتهي بـ “سيناريو دراماتيكي”.. تعادل مثير يمنح أكادير الصدارة أمام الجيش
▪︎ أنبوب الغاز العابر للصحراء: محاولة لقطع الطريق على المبادرة الأطلسية
في الملف الاقتصادي والإستراتيجي، أعادت الجزائر بعث الحديث عن “أنبوب الغاز العابر للصحراء” الذي ظل مشروعاً متجمداً لسنوات طويلة. ويأتي هذا الاستنفار الجزائري كاستجابة مباشرة للدينامية التي خلقها المغرب من خلال إطلاقه مشروع أنبوب الغاز النيجيري-المغربي (الأطلسي)، والذي يربط أكثر من 13 دولة غرب إفريقية بأوروبا.
المفارقة هنا تكمن في التوقيت والدافع؛ فبينما قدم المغرب مشروعه كنموذج للاندماج الإقليمي والتنمية المستدامة لغرب إفريقيا، سارعت الجزائر إلى إعادة الترويج لمشروعها للقول إنه “مشروع إفريقي متكامل يساهم في الربط بين إفريقيا وأوروبا”. يتضح جلياً أن النظام الجزائري ما كان ليُحيي هذا الملف أو يُعطيه هذه الأولوية لو لم يلمس النجاح الدبلوماسي والاقتصادي للرباط في التعبئة الإفريقية لمشروعها الأطلسي.
▪︎ دول الساحل وتنافس النفوذ: ردود أفعال تجاه المبادرة الأطلسية
تنعكس هذه الحالة النفسية للإستراتيجية الجزائرية أيضاً في منطقة الساحل الإفريقي (مالي والنيجر). فقد أبدى الرئيس الجزائري استعداد بلاده لتقديم مساعدات تنموية وعسكرية وشاملة لهذه الدول، مشيراً إلى إرسال طائرات عسكرية وتشييد مشاريع تنموية في النيجر.
هذا الاهتمام المستجد والمتزايد بدول الساحل لا يمكن عزله عن المبادرة الملكية المغربية التي أطلقها الملك محمد السادس لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر البنيات التحتية المغربية، وميناء الداخلة الأطلسي تحديداً. هذه المبادرة التي رحبت بها دول الساحل (بما فيها مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد) أحدثت اختراقاً جيو-إستراتيجياً في منطقة كانت تعتبرها الجزائر “حديقة خلفية” لنفوذها. ومن ثم، فإن تحركات الجزائر العسكرية والتنموية الأخيرة تأتي كحالة استدراك ومحاولة للحد من الجاذبية الاقتصادية التي بات يطرحها المغرب لدول الساحل المغلقة.
▪︎ ملف الصحراء: اختزال الدبلوماسية في قضية واحدة
تستمر الخارجية الجزائرية في تقديم نزاع الصحراء باعتباره جوهر سياستها الدبلوماسية، برغم التأكيد الرسمي المتكرر على أنها “ليست طرفاً في النزاع”. وتكشف تصريحات تبون حول الملف، سواء بالإشارة إلى المفاوضات أو المحادثات التفصيلية التي ترعاها الولايات المتحدة، أن الرؤية الجزائرية للتقارب أو التباعد مع القوى الدولية أصبحت تُقاس بموقف هذه الدول من القضية الوطنية للمغرب.
إن الارتهان لهذه المعزوفة يفرض على الخارجية الجزائرية قراءة كل تحرك دولي أو إقليمي عبر منظار النزاع الإقليمي حول الصحراء، وهو ما يجعل صانع القرار في الجزائر في حالة استنفار ودفاع دائمين أمام مكاسب المغرب الدبلوماسية المتتالية، سواء على مستوى الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء أو فتح القنصليات في الأقاليم الجنوبية.
▪︎ العلاقات الدولية المتوازنة أم تخبط في المحاور؟
حين يشير الرئيس الجزائري إلى إمكانية الحفاظ على “صداقات متوازنة” في وقت واحد مع روسيا والولايات المتحدة والصين، واصفاً ذلك بأنه “أمر ممكن بالنسبة للجزائر”، تظهر محاولة للتغطية على الضغوط الناجمة عن انحيازات الجزائر الإستراتيجية القديمة. فالعلاقة الممتدة لأكثر من 60 سنة مع روسيا تقيد الهامش المناور للجزائر، خصوصاً في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية الحالية.
هذا التناقض يستند في كثير من أبعاده إلى البحث عن حلفاء أو داعمين لموقفها المناهض للمغرب، حتى وإن كان ذلك على حساب اتساق موضعها الإقليمي أو إثارة الشكوك لدى الشركاء الغربيين حول طبيعة تحالفاتها العسكرية والإستراتيجية.
▪︎ خلاصة
إن قراءة الحوار الأخير للرئيس الجزائري من منظور التحليل السياسي للخطاب تؤكد أن المغرب أصبح الحاضر الأكبر في صياغة العقيدة الخارجية للجزائر. فعوضاً عن إطلاق استراتيجيات تنموية ذاتية ومستقلة، أصبحت الخارجية الجزائرية تُبنى كـ “رد فعل” على الدينامية المغربية في إفريقيا وفي المحافل الدولية، وهو ما يجعل بوصلتها السياسية والاستثمارية رهينة للتحركات التي ترسمها الرباط.

تعليقات( 0 )