بعد زيارة الملك فليبي السادس: قريبًا.. المغرب مقبرة للعديد من رجال الأعمال الإسبان

بقلـم- ياغو رودريغيز | أثبتت الرباط أن طموحاتها بشأن سبتة ومليلية تفوق كل الاستثمارات الإسبانية على أراضيها، مما يجعل رجال الأعمال الإسبان الذين يواصلون ضخ أموالهم هناك بمثابة من يمشي في حقل من الألغام.

مقالات ذات صلة

النيجر والمغرب يبحثان تعزيز الشراكة الاستراتيجية وآفاق التعاون في قطاع الطاقة

بيل كلينتون ينقل شهادة ابنته حول القرآن الكريم ويحذر من استهداف المسلمين

لا لتكميم الأفواه والتضييق على المبلغين ومناهضي الفساد.. أوقفوا سياسة الإفلات من العقاب 

استياء واسع في صفوف متقاعدي “اتصالات المغرب” إثر منع وقفتهم الاحتجاجية بالرباط

فقد أظهرت الأحداث أن أطماعها في المدينتين تتجاوز أية اعتبارات أخرى، سواء تعلق الأمر بالدعم الإسباني لقضية الصحراء، أو تنظيم مونديال 2030، أو المساندة التي تمتعت بها الرباط من مدريد أمام الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن مصالح المستثمرين الإسبان في عهد الملك محمد السادس.

يتطلب أي استثمار صناعي سنوات طويلة لاسترداد رأس المال وتحقيق الأرباح، والاعتقاد بأن الحكومة الإسبانية ستنجح طيلة عقد كامل في إبقاء هذا التوتر السياسي بمنأى عن قطاع الأعمال هو أمر انتحاري بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

لقد تغير العالم بوتيرة متسارعة، بينما لا تزال السياسة والعقلية الإسبانية تتأخران عن مواكبة هذا الركب. فقد انخرط المغرب بفعالية في قواعد السياسة الدولية الجديدة، متسماً بالهجومية والطموح، ودون تردد في استخدام القوة ضد الطرف الأضعف. وفي ظل تباين موازين القوى، ومع تنامي شبكة تحالفاته وقواته المسلحة وهامشه الاقتصادي، فمن المرجح أن تعمد الرباط إلى تصعيد أزماتها السياسية المتعاقبة مع إسبانيا.

بعد أن نجح الملك محمد السادس في تأمين الصحراء الغربية لصالح ولي عهده، بات التركيز منصباً على الشروع في السيطرة على سبتة ومليلية، مع وجود تطلعات أطول أمداً تمتد نحو جزر الكناري. فكل عاهل مغربي يحمل هدفاً إقليمياً كبيراً، وبات هدف ولي العهد المرتقب (الحسن الثالث) يلوح في الأفق، وهو ما سيقود حتماً إلى مواجهة كبرى.

إن نظرة سريعة إلى واقع العالم اليوم تكشف بوضوح كيف تغير كل شيء، وكيف عادت لغة الحروب، لتصبح الدول أكثر عدوانية. ومماؤسف له أن هذا التغير يطالنا نحن أيضاً، فالأخطار باتت ماثلة أمامنا، ولم يعد مسموحاً لنا الاستمرار في التصرف وكأن شيئاً لم يكن.

وفي هذا السياق، اعترف رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيث، بدخول قطع حربية مغربية إلى المياه الإقليمية لسبتة. ووفقاً لصحيفة “إل باييس”، تكررت تلك التوغلات ووصلت المناورات إلى حافة الاصطدام بين زوارق دوريات البلدين، مما استدعى نشر قطع بحرية إسبانية لاحتواء الموقف. وقد وجد بحارة إسبان أنفسهم في مواجهة حالة حرجة، كانت فيها الأسلحة الموجهة على أهبة الاستعداد لخطأ قد يحول الضغط السياسي بشأن السيادة إلى اشتباك مسلّح.

ولم تتوقف الأمور عند هذا الحد، بل رافقتها تحركات أخرى شملت عمليات نفسية عبر منصات التواصل الاجتماعي وردت في تقارير وزارة الخارجية، فضلاً عن استخدام استخبارات الإشارات، لتعقبها لاحقاً اعتداءات طالت العسكريين الإسبان.

فقد كشفت تقارير استناداً إلى مصادر أمنية وعسكرية، عن تورط عناصر مغربية في التخطيط لكمين “بنصو” الذي وقع في 27 أغسطس، في مؤشر واضح على النوايا العدائية والنزعة الانتقامية. ووصل الأمر بالجهات المعنية إلى منح دوريات برية صلاحية حمل أسلحة مزودة بذخيرة حية، وهو مؤشر خطير يعكس جسامة المخاطر التي واجهتها العناصر الميدانية. إن العسكري المحاصر والمعتدى عليه قد يجد نفسه مضطراً لاتخاذ قرار في ثوانٍ معدودة بين استخدام سلاحه إما للقتل أو الموت؛ لقد كان خطر وقوع إصابات مميتة قائماً بالفعل، وكانت الرباط على دراية كاملة بذلك، ورغم ذلك منحت الضوء الأخضر للهجوم.

إن وقوع اصطدام بين الدوريات أو إطلاق نار يخلف ضحايا كان من شأنه أن ينسف العلاقات الثنائية تماماً. فالمنطقة الرمادية المتمثلة في حالة العداء دون الحرب المفتوحة، لها حدود لا يسيطر عليها أي زعيم بشكل كامل، وتكمن طيش الرباط في تحركاتها المستمرة على حافة الهاوية التي تفصل عن الحرب، إذ يكفي خطأ في الحسابات لتجاوز العتبة الفاصلة.

ورغم أن الوضع الطبيعي كان يقتضي نشوء أزمة غير مسبوقة في العلاقات، إلا أن الحكومة الإسبانية تعاملت مع الاختراق البحري باعتباره حدثاً “عارضاً” في إطار ما أسمته بـ “حسن الجوار”، بل إن ممثل الحكومة في سبتة وصفه بالدوريات الروتينية. هذا التفسير السياسي يقلل من حجم التكلفة الحقيقية للعدوانية المغربية؛ وإذا تم تطبيع استخدام السفن الحربية لاختبار السيادة الإسبانية، فما هي الخطوة القادمة؟ هل ستكون حشد لواء مشاة بالقرب من سبتة ومليلية؟

إن النزعة التوسعّية تجاه المدينتين تمنح هذا الصراع عمقاً استراتيجياً؛ فالقراءة الموضوعية تؤكد أن محمد السادس يسعى لتثبيت مكاسبه في ملف الصحراء الغربية بينما يفتح جبهة ضغط جديدة ضد المدن الإسبانية، لتهيئ الظروف أمام خليفته المحتمل (الحسن الثالث) لاستكمال مسار الهيمنة، وفقاً لقراءات تحليلية لخبراء الشأن المغربي مثل خافيير أوتاسو. وهو أفق يتطابق مع ما يروجه الخطاب القومي المغربي الذي يصور زيارات العملك الملكي على أنها وداع أخير لمدينتين ستنتقلان عما قريب للسيادة المغربية.

إن استمرار هذا الخطاب يغذي الأطماع الإقليمية ويوجهها نحو الجيل القادم من العائلة الملكية، كأداة لتوحيد الجبهة الداخلية. فبعد أن كانت الصحراء الغربية خط الدفاع الأول وتليها المدينتان في الأفق، باتت سيطرة المغرب على الصحراء شبه منجزة، وتحولت سبتة ومليلية إلى خط مواجهة أول بينما أصبحت جزر الكناري تلوح في الأفق البعيد.

بناءً على ذلك، يتعين على المستثمرين الإسبان التعامل مع هذا المناخ باعتباره خطراً هيكلياً ودائماً، تتفاوت حدته لكنه سيظل قائماً ما دامت الرباط تسعى للنيل من السيادة الإسبانية. إن فترات التعاون التجاري المؤقت يمكن أن تتطابق مع التحضير لمواجهة جديدة، وهو ما يفرض على الشركات حساب بدائلها بعناية قبل توظيف رؤوس أموالهم.

وعلاوة على ذلك، وفي ظل الاستقطاب السياسي في إسبانيا، تحول المغرب إلى مادة خلاف داخلي، حيث يتقاطع الضغط الاجتماعي المطالب بالرد الحاسم مع التجاذبات الحزبية حول أداء السلطة التنفيذية، والرهان على احتواء هذا الضغط دائماً من قبل الحكومة نفسها يعد رهاناً واهماً؛ إذ لا يمكن إخضاع السيادة الوطنية طويلاً لحماية مصالح تجارية في بلد يطعن فيها أصلاً.

إن الشركات الإسبانية العاملة في المغرب باتت مهددة بالوقوع وسط النيران المتبادلة، وتكبد خسائر فادحة، لتتحول اقتصادياً إلى رهائن بين البلدين؛ حيث تمتلك الرباط أدوات الضغط عبر القيود الإدارية والتجارية، بينما قد تلجأ مدريد لتدابير مقابلة. وخلاصة القول لرجال الأعمال هي ضرورة التنويع والابتعاد عن السوق المغربية باعتبارها وجهة بالغة الخطورة خلال السنوات المقبلة.

في المقابل، تقدم دول مجاورة بدائل واعدة؛ فالجزائر توفر فرصاً هامة في قطاعات الآلات الزراعية والتكنولوجيا الغذائية (التي روج لها معهد التجارة الخارجية الإسباني ICEX)، بينما تمتلك تونس قطاعاً قوياً في صناعة مكونات السيارات والمعدات الكهربائية والإلكترونية. وهي خيارات ينبغي دراستها بجدية الآن، وقبل أن تفرض الأزمات القادمة البحث الطارئ عن أسواق وموردين جدد، فالمغرب العربي لا يقتصر على المغرب وحده.

باختصار، توجب على الشركات الإسبانية تعليق استثماراتها الجديدة في المغرب وتوزيع مححافظها الاستثمارية، بينما يُنصح المتواجدون هناك بتقليص تعرضهم المالي تدريجياً، وبناء شبكات إمداد بديلة لضمان استمرارية أعمالهم؛ فتحذيرات هجوم 30 يوليو كانت واضحة بما يكفي، ومواصلة ضخ الأموال متجاهلين انهيار المظلة السياسية والأمنية يمثل انتحاراً اقتصادياً محققاً.

▪︎ عن صحيفة “إل إسبانيول”| المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه.. ولا يعبر بأي شكل كان عن موقع 212News 

 

تعليقات( 0 )

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

مقالات ذات صلة

النيجر والمغرب يبحثان تعزيز الشراكة الاستراتيجية وآفاق التعاون في قطاع الطاقة

بيل كلينتون ينقل شهادة ابنته حول القرآن الكريم ويحذر من استهداف المسلمين

لا لتكميم الأفواه والتضييق على المبلغين ومناهضي الفساد.. أوقفوا سياسة الإفلات من العقاب 

استياء واسع في صفوف متقاعدي “اتصالات المغرب” إثر منع وقفتهم الاحتجاجية بالرباط

العقل السياسي المغربي بين الحدود الفعلية للسلطة ومقتضياتها المتخيلة

رواية “المرأة البامبارية” في لقاء ثقافي بالرباط: سرد الأدب لملحمة الصحراء المغربية والإنسان