العدالة الاجتماعية ليست نتيجة للنمو الاقتصادي بل شرط لتحقيقه

بقلم- فتح الله رمضاني| صادق مجلس النواب، يوم الخميس 22 أكتوبر 2026 خلال جلسة عمومية، بالأغلبية، على البرنامج الحكومي الذي تقدمت به حكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري أمام مجلسي البرلمان، وبهذه المصادقة تكون الحكومة الجديدة، قد استكملت شروطها الدستورية لتمارس صلاحياتها وتصبح مسؤولة عن أعمالها أمام البرلمان، ومن خلالها أمام الشعب المغربي، بتعاقد واضح أساسه البرنامج الحكومي.

مقالات ذات صلة

الحكومة ترسخ ركائز الدولة الاجتماعية في ميزانية 2027 وتضع القدرة الشرائية والصحة والتعليم في صلب أولوياتها

تسونامي استقالات يهدد الشركات الجهوية للماء والكهرباء بسبب فوارق أجرية بين مديريها

​”نشر الغسيل” مبكراً: رسائل سلبية ومعارك وهمية تعمق أزمة الثقة

الصحراء “الغربية”: مشروع أمريكي منحاز بعمق وغير متوازن

لقد ارتكز البرنامج الحكومي 2026-2031 على فلسفة الانتقال من منطق توسيع التغطية إلى ضمان جودة وفعالية الخدمات العمومية، ومن حجم الاستثمار إلى حجم مردوديته، حيث يسعى كما أكدت السيدة رئيسة الحكومة في تقديمها للبرنامج أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر 2026، إلى تجاوز مرحلة إطلاق الأوراش الكبرى نحو قياس الأثر المباشر والفعلي على المواطن خصوصا في المجالات الاجتماعية، ولتحقيق هذه الغاية تضمن البرنامج الحكومي مجموعة من الالتزامات كما حدد رزمة من الأولويات، يمكن إجمالها في عشر التزامات أساسية.

فتح الله رمضاني

فتح الله رمضاني

لكن وانطلاقا من السياق الذي يأتي فيه هذا البرنامج، وسيما السياق الوطني الموسوم بدخول المغرب مرحلة حاسمة ومفصلية في مسير خلق التنمية، يمكن التأكيد أن السؤال المركزي الذي يمكن طرحه بخصوص هذا البرنامج لا يتعلق بتعدد الأوراش التي التزم بالانخراط فيها، ولا بعدد الأولويات التي حددها، ولا حتى بحجم الالتزامات التي تضمنها، ولكنه سؤال يتعلق بمستويات قدرته على ضمان إحساس المواطن المغربي بثمار المجهود التنموي الذي تبذله بلادنا.

ذلك أن التحدي المطروح أمام المغرب اليوم، لا يتعلق فقط بإنتاج الثروة وبتوسيع قاعدة الاستثمار وتهيئة مناخه، بل إنه تحد يتعلق بالأساس بتوفير الشروط التي تجعل هذه الثروة رافعة لتوسيع إمكانية الترقي الاجتماعي، ولتحسين مستوى عيش المواطنين، وتعزيز منسوب ثقتهم في المؤسسات.

فالمؤشرات الاقتصادية وبالرغم من كل النتائج التي يمكن أن تحققها، لا يمكن اعتبارها مقياسا محددا ووحيدا لنجاح الاستراتيجيات التنموية، ذلك أن التنمية لا تقاس في عالم اليوم إلا بمعيار التحولات التي تحدثها في حياة المواطنين اليومية، وفي مستويات شعورهم بأنهم يستفيدون من ثمار التقدم الذي يحققه الوطن، وبالتالي فإن التحول الذي تقترحه مضامين البرنامج الحكومي لحكومة المنصوري، يبقى رهينا بشكل كبير بطبيعة الاختيارات التي ستؤطر تنزيل هذه المضامين، وبمستويات قدرتها على إقامة التوازن بين ما يتطلبه النمو الاقتصادي وما يقتضيه الإنصاف الاجتماعي، وهذه هي المعادلة التي تتطلب حلا فوريا وعاجلا.

فالإشكال الذي طبع عملية خلق التنمية بالمغرب، لم يكن يوما متعلقا بقدرة الحكومات على الوفاء بالتزاماتها، بل بقدرة هذه الحكومات على إحداث تحول جوهري في العلاقة التي تربط السياسات العمومية التي تسنها بانتظارات المواطنين وتطلعاتهم، كما أنه لم يتعلق أبدا بضعف المجهود التنموي المبذول، فالمغرب بذل في هذا الإطار منذ الاستقلال مجهودا كبيرا وكبيرا جدا، ولا بغياب الاستراتيجيات والبرامج وبقلة المخططات والمبادرات الحكومية، بل إن الإشكال تعلق دائما وبالأساس بقدرة السياسات العمومية على تحقيق الالتقائية بين مختلف التدخلات القطاعية، وعلى تحويل هذا المجهود التنموي إلى آثار فعلية وإلى نتائج ملموسة تنعكس بالإيجاب على مستوى عيش المواطنين.

على هذا الأساس، فإن عملية الانتقال من منطق توسيع التغطية إلى منطق جودة الخدمات، التي شكلت أحد المرتكزات الأساسية في فلسفة البرنامج الحكومي الجديد، لا يجب التعاطي معها وكأنها مجرد تحول في آليات تقييم الفعل العمومي، ذلك أنها يجب أن تؤسس لتحول جوهري في طبيعة العلاقة التي من المفروض أن تربط الدولة بالمواطن، تحول يجب أن ينعكس على طريقة تدبير السياسات العمومية، بصورة تنتقل بها من المقاربة الكمية إلى المقاربة الكيفية، فالمطلوب حقيقة هو أن تغيير المسار الذي رفعته الحكومة، لا يجب أن يبقى مجرد شعار سياسي، بل يجب أن يتجسد في طريقة تدبيرها للسياسات العمومية، وخصوصا للسياسات الاجتماعية، حيث لم يعد مقبولا أن تبقى المسألة الاجتماعية مسألة لاحقة عن المسألة الاقتصادية.

فمشكلة التنمية بالمغرب ببساطة، وهو ما أكده تقرير الخمسينية قبل أكثر من 20 سنة،  تتمثل في محدودية الأثر الاجتماعي للمجهودات التنموية المبذولة، وبالتالي فإن التحدي السياسي الحقيقي المطروح على البرنامج الحكومي الجديد، يتمثل بالأساس في مدى قدرته على المساهمة في حل هذه المشكلة، من خلال تصويب المفارقة الكائنة بين التقدم الاقتصادي الذي تحققه البلاد على مستوى المؤشرات الاقتصادية الكبرى، وبين استمرار شعور فئات واسعة من المغاربة بأن هذا التقدم لا ينعكس بالقدر الكاف على أوضاعهم المعيشية، وهي المفارقة التي لا يمكن تصويبها بالرفع من وتيرة النمو فقط، ذلك أنها تتطلب توافر إرادة سياسية، واتخاذ خيارات سياسية واضحة تضمن توسيع مساحة الأثر الاجتماعي للمجهود التنموي.

بناء عليه، فإنه من الخطأ استمرار اختزال العدالة الاجتماعية في البعد التضامني وفي آليات الدعم والمساعدة، بمعنى أنه من الخطأ استمرار التعاطي معها وكأنها نتيجة لاحقة للنمو الاقتصادي، بل المفروض اعتبارها أحد الشروط الأساسية التي يمكن أن تساعد في تحقيق هذا النمو وضمان استدامته، هكذا فإن نجاح الحكومة الجديدة في تحقيق التوازن المفروض بين ما يتطلبه النمو الاقتصادي وما يقتضيه الإنصاف الاجتماعي، رهين بقدرتها على جعل البعد الاجتماعي حاضرا في صلب اختياراتها الاقتصادية، وليس بحرصها على تصحيح الاختلالات الاجتماعية التي قد تنتج عن هذه الاختيارات.

فالمواطن لا تعنيه البرامج التي تعلن عنها الحكومات، ولا يكترث لحجم الاعتمادات المالية التي خصصتها لتنفيذ هذه البرامج، بل إنه لا يفهم حتى لغة الرهانات والتحديات التي تتكلم بها هذه الحكومات، ولكنه معني كثيرا بالكيفية التي ستتحول بها حياته بعد حديث كل حكومة وبعد تنفيذها للبرامج التي سطرتها، ولا سيما على مستوى قدرته الشرائية، وجودة الخدمات التي يستفيد منها، والأهم على مستوى حجم الفرص التي باتت متاحة أمامه من أجل تحسين وضعيته الاجتماعية والاقتصادية.

 

تعليقات( 0 )

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

مقالات ذات صلة

الحكومة ترسخ ركائز الدولة الاجتماعية في ميزانية 2027 وتضع القدرة الشرائية والصحة والتعليم في صلب أولوياتها

تسونامي استقالات يهدد الشركات الجهوية للماء والكهرباء بسبب فوارق أجرية بين مديريها

​”نشر الغسيل” مبكراً: رسائل سلبية ومعارك وهمية تعمق أزمة الثقة

الصحراء “الغربية”: مشروع أمريكي منحاز بعمق وغير متوازن

صحيفة المستوطنين بمليلية: الأحزاب المغربية تُجمع تحت قبة البرلمان على مغربية سبتة ومليلية والمطالبة باسترجاعهما

حكومة المنصوري تنال ثقة مجلس النواب بأغلبية مريحة لتستكمل تنصيبها الدستوري