بقلم- ميمونة الحاج داهي | سأقولها كما أفكر فيها، دون أن أستعير اللغة الجاهزة التي تُرضي الجميع ولا تُقنع أحدا، “نحن لا نعاني من نقص في الحلول داخل ملف الصحراء، نحن نعاني من فائض في الأوهام السياسية التي تؤجل الحسم”.
مقالات ذات صلة
رسمياً.. الإعلان عن التشكيلة الكاملة لمكتب مجلس النواب ورؤساء الفرق واللجان الدائمة
العلاقات المغربية مع شرق ليبيا وأثرها على التوازنات في المنطقة المغاربية
كشفت عنها “إسبانيول”: مفاوضات متقدمة بين المغرب وإسرائيل تخص مسيرات وصواريخ “لورا”
الملك يستقبل رئيسة الحكومة المكلفة بالرباط للاطلاع على مسار تشكيل الحكومة الجديدة
المشكلة ليست في البوليساريو كـ“خصم”، بل في الطريقة التي قبلنا بها، لسنوات، أن نُدير بها هذا الخصم داخل وعاء لغوي وسياسي لم يعد يعكس حقيقته. هناك كسل مفاهيمي واضح: نستمر في تسميته “طرفا” لأن ذلك يريح التوازنات الدبلوماسية، بينما نتعامل معه أمنيا كتهديد. هذا التناقض ليس تفصيلا، بل هو أصل الإشكال.
أنا لا أرى نزاعا يحتاج إلى حل بقدر ما أرى وضعا يحتاج إلى إعادة توصيف جذري.
حين تُخطئ الدولة في توصيف التهديد، فإنها، مهما نجحت تكتيكيا، تظل تتحرك داخل سقف منخفض استراتيجيا.
لنكن دقيقين:

▪︎ ميمونة الحاج الداهي
أي عملية سياسية يكون فيها كيان مسلح جزءا من الحل، دون أن يمر أولا عبر تفكيك وظيفته العسكرية والسياسية، هي في الحقيقة إعادة تدوير للنزاع داخل صيغة أكثر هشاشة. هذا ليس موقفا متشددا، بل قاعدة شبه بديهية في بناء الدول. لا توجد سيادة مشتركة مع السلاح الموازي، ولا استقرار مع فاعل يعيش على استدامة التوتر.
ما يثير انتباهي أن المغرب، كدولة، أصبح يشتغل بذكاء كبير في الواجهة الدولية: اعترافات تتراكم، تموقع اقتصادي يتعزز، شبكة تحالفات تتوسع. لكن في العمق، ما زال هناك تردد في الانتقال من “إدارة ملف” إلى “إغلاقه”، وهنا تحديدا تكمن الزاوية التي أعتبرها غير مريحة: هل نخشى كلفة الحسم… أم أننا تعودنا على راحة الوضع غير المحسوم؟
لأن هذا النوع من النزاعات يُنتج منطقة رمادية مريحة للبعض: دبلوماسية نشيطة، دون مخاطرة كبرى، توازن إقليمي مضبوط، دون انفجار، وخطاب سياسي يمكن أن يتكيف مع كل السياقات.
لكن المشكلة أن العالم تغير، والمنطقة من حولنا لم تعد تحتمل هذه المناطق الرمادية.
الساحل ينهار أمنيا، شبكات التهريب تتوسع، والكيانات المسلحة لم تعد مجرد أدوات محلية، بل أصبحت جزءا من اقتصاد عابر للحدود. في هذا السياق، أي تساهل في تعريف “من هو الفاعل” يتحول إلى مخاطرة استراتيجية.
لهذا، حين أقول إن تصنيف البوليساريو تنظيما إرهابيا خيار قابل للنقاش، فأنا لا أبحث عن تصعيد، بل عن اتساق.
إما أن نعتبره فاعلا سياسيا، ونقبل بكل ما يترتب عن ذلك، أو نعتبره بنية مسلحة خارج منطق الدولة، ونتعامل معه على هذا الأساس. أما البقاء في المنتصف، فهو ليس حكمة، بل تأجيل مكلف.
الأمر نفسه ينطبق على الجزائر، لكن بطريقة أكثر تعقيدا.
أنا لا أتعامل مع الجزائر كـ“خصم تقليدي”، بل كدولة تبني جزءا من توازنها الإقليمي على إبقاء هذا الملف مفتوحا. وهذا ما يجعل أي حل لا يراعي هذا المعطى حلا ساذجا.
لذلك، المسألة ليست في “إدانة الجزائر”، بل في فهم أن تغيير سلوكها يمر عبر تغيير كلفة استمرار الوضع الحالي بالنسبة لها.
وهنا نصل إلى النقطة التي يتجنبها الكثيرون: المنطقة العازلة شرق الجدار الأمني ليست مجرد تفصيل جغرافي، بل هي لبّ المعادلة، هي الفراغ الذي يسمح باستمرار اللعبة كما هي،،،هي المساحة التي تجعل النزاع قائما دون أن ينفجر.
وأنا أعتقد أن الدول لا تترك الفراغات حين تنضج لحظة الحسم.
ملء هذا الفراغ، بالوسائل المشروعة، ليس عملا عسكريا بقدر ما هو قرار سياسي سيادي يعيد تعريف قواعد الاشتباك بالكامل. لا أبحث من خلال رأيي هذا عن خطاب متشدد، بل عن خطاب صادق مع نفسه.
لا تُقاس الدولة القوية بقدرتها على كسب الدعم الدولي فقط، بل بقدرتها على قول: هذا هو تعريفنا للتهديد، وهذه هي حدودنا التي لا نقبل أن تبقى رمادية.
وربما السؤال الذي يزعجني، لأنه بسيط أكثر مما ينبغي: إذا كنا نؤمن فعلا أن الصحراء قضية سيادة محسومة… فلماذا ما زلنا نتعامل مع هوامشها وكأنها قابلة للتفاوض؟

تعليقات( 0 )