بقلم- خورخي ديثكالار°| بدأ البعض في الولايات المتحدة والمغرب يلمحون إلى أنه مثلما دعمت واشنطن السيادة المغربية على الصحراء، قد تدعم أيضاً مطالب الرباط بشأن سبتة ومليلية.
مقالات ذات صلة
في ذروة يأسه من حرب فيتنام، طلب ريتشارد نيكسون من هنري كيسنجر أن يوهم العالم بأنه مستعد لارتكاب أي حماقة لإنهاء تلك الحرب منتصراً؛ وهو ما عُرف بـ “نظرية الرجل المجنون” (The Madman Theory). واليوم، يبدو دونالد ترامب مستعداً للعب الورقة ذاتها، ليجعل الإيرانيين يعتقدون أنه مستعد حقاً لـ “إعادتهم إلى العصر الحجري” لإرغامهم على الخضوع لشروطه في المفاوضات النووية وإعادة فتح مضيق هرمز.

▪︎ خورخي ديثكالار
خلافاً لنيكسون، فإن فرضية “عدم اتزان” ترامب تبدو أكثر تصديقاً، إذ يدعمها أطباء نفسيون رصدوا لديه اضطرابات في الشخصية. وهذا أمر قد يمسنا مباشرة؛ ففي الآونة الأخيرة، صوّب ترامب سهامه نحو إسبانيا بعد أن اتخذه بيدرو سانشيز هدفاً سياسياً، حيث وجد سانشيز في مهاجمة ترامب “منجماً” مربحاً في السياسة الداخلية، سواء لمحاصرة معارضة تائهة، أو لإنعاش ائتلافه الحكومي المترنح الذي يرفع شعارات “لا للحرب” وكأن هناك من يؤيدها.
▪︎ خلافات جوهرية وتصعيد معلن
أنا لا أقول إن ترامب على حق. بل إنني أتفق مع سانشيز (مع بعض التحفظات) في معارضته تخصيص 2% من الناتج المحلي الإجمالي لحلف الناتو (رغم أنه وقع في النهاية كالبقية)، لأن العبرة ليست بزيادة الإنفاق بل بكفاءته، وإن كان شركاؤنا الأوروبيون يفضلون بدورهم استثمار تلك الأموال في التعليم والصحة. كما أتفق مع سانشيز في انتقاده للرد الإسرائيلي غير المتناسب في غزة، وفي اعترافه بالدولة الفلسطينية، وفي اعتباره أن الحرب الحالية ضد إيران تنتهك القانون الدولي، ما يستوجب منع استخدام قواعدنا وأجوائنا العسكرية.
لكن، وبالرغم من امتلاكنا للحجة والمنطق، فإن ترامب غاضب جداً من إسبانيا ولا يكف عن تكرار ذلك. وبما أنه رجل ذو أفكار ثابتة ولا يرحم من يعتبرهم أعداءً (صحفيين، قضاة، أو سياسيين)، فإن الذكاء يقتضي منا أن “نبلل لحانا” (نأخذ حذرنا)، فـ الوقاية خير من العلاج.
▪︎ وثائق مسربة وسيناريوهات العقاب
قبل أيام، سُربت وثيقة داخلية أمريكية تحلل بدائل لمعاقبة إسبانيا والمملكة المتحدة، باعتبارهما الدولتين الأكثر إثارة لحنق ترامب بسبب ضعف تضامنهما في حربه ضد إيران. تذكر تلك الوثيقة طرد إسبانيا من الناتو، ودعم المطالب الأرجنتينية بسيادة جزر “المالفيناس” (فوكلاند) – علماً أن “ميلي” صديق مقرب لترامب.
ورغم أن طردنا من الناتو أمر مستحيل عملياً، إلا أنه قد يمنع العسكريين الإسبان من الوصول إلى مناصب قيادية في المنظمة، أو يستثنينا من حماية المادة 5 في حال تعرضنا لهجوم. كما قد ينسحب من قاعدتي “روتا” و”مورون”، رغم أن ذلك سيكلفه غالياً وسيستغرق سنوات. ولا ننسى تهديداته بسحب القوات من ألمانيا وإيطاليا.
▪︎ سبتة ومليلية.. “المالفيناس” الجديدة؟
في الولايات المتحدة والمغرب، يداعب البعض فكرة مستوحاة من نموذج “المالفيناس”، توحي بأنه مثلما دعمت واشنطن مغربية الصحراء، قد تدعم أيضاً مطالب الرباط في سبتة ومليلية. وهم يتجاهلون هنا أن المدينتين يسكنهما 160 ألف إسباني (وليس 3500 بريطاني)، وأنهما تقعان على بعد 14 كيلومتراً فقط من الوطن الأم وليس 13 ألف كيلومتر، فضلاً عن الاعتبارات التاريخية والقانونية التي تعمق الفوارق.
لكن، أمام شخص لا يمكن التنبؤ بأفعاله ويجهل الكثير من الحقائق مثل ترامب، يتعين على الحكومة الإسبانية:
تفعيل “الخطة الشاملة” للمدينتين التي وعدت بها عام 2023 ولا تزال “تغط في نوم عميق”.
تفعيل مقترح إدماجهما في السوق الأوروبية المشتركة ولجنة الأقاليم.
الضغط لفتح الجمارك في سبتة وإعادة فتحها في مليلية، وهو الوعد الذي قُدم عند تغيير الموقف المفاجئ من ملف الصحراء، بينما تحاول الرباط حالياً “خنقهما” تجارياً.
ولا ننسى أن الحكومة لا تسمح للملك فيليب بزيارة سبتة ومليلية! فمتى سيفعل؟ لا أفهم كل هذا “التزلف”.
▪︎ الخاتمة: واقعية لا تشاؤم
نشرت أسبوعية TelQuel المقربة من دوائر القرار في المغرب مؤخراً مقالاً يتحدث عن “انبهار” سانشيز بالمغرب. وأنا أيضاً يبهرني تاريخه وثقافته، لكن لا تبهرني سياسته. العسكريون يحذرون من سباق التسلح المغربي المتسارع في السنوات الأخيرة، وعلاقات الرباط مع واشنطن توطدت بعد الاعتراف الدبلوماسي بإسرائيل وإيداع مليار دولار في ما يسمى “مجلس السلام” (Board for Peace) التابع لترامب.
لا نريد إثارة الذعر، خاصة ونحن مقبلون على تنظيم كأس العالم 2030 مع المغرب والبرتغال، لكن يجب استغلال الوقت والتحرك بحكمة.
° سفير إسباني سابق

تعليقات( 0 )