فيينا – 212News | في كشف تاريخي يعيد تسليط الضوء على العصر الذهبي للدبلوماسية المغربية، عرضت إحدى دور المزاد العريقة في العاصمة النمساوية فيينا مخطوطة سلطانية أصلية، تعود لعهد السلطان العلوي القوي، المولى إسماعيل، مؤرخة في ديسمبر من عام 1720.
مقالات ذات صلة
رسمياً.. الإعلان عن التشكيلة الكاملة لمكتب مجلس النواب ورؤساء الفرق واللجان الدائمة
العلاقات المغربية مع شرق ليبيا وأثرها على التوازنات في المنطقة المغاربية
كشفت عنها “إسبانيول”: مفاوضات متقدمة بين المغرب وإسرائيل تخص مسيرات وصواريخ “لورا”
الملك يستقبل رئيسة الحكومة المكلفة بالرباط للاطلاع على مسار تشكيل الحكومة الجديدة
▪︎ رسالة السلام من مكناس إلى لندن
الوثيقة، التي تتميز بزخارفها “الإسماعيلية” البديعة باللون الأخضر الملكي، ليست مجرد قطعة فنية، بل هي نص اتفاقية استراتيجية وجهها السلطان المولى إسماعيل إلى “تشارلز ستيوارت”، مبعوث الملك جورج الأول ملك بريطانيا العظمى. وتأتي هذه المراسلة كتمهيد لمعاهدة السلام والتجارة الشهيرة التي وقعت في العام التالي (1721).

▪︎ بنود سيادية: الأسرى وحرية البحار
يتضمن نص الوثيقة تفاصيل حاسمة حول المفاوضات التي جرت في العاصمة الإسماعيلية (مكناس)، حيث تنص بشكل صريح على:
تحرير الأسرى: الالتزام بإطلاق سراح 296 أسيراً بريطانيا، وهو الملف الذي ظل يؤرق لندن لسنوات.
الأمان البحري: ضمان سلامة الملاحة البحرية للسفن البريطانية في المياه الإقليمية المغربية، وحمايتها من هجمات “مجاهدي البحر”، مقابل تسهيلات تجارية وتزويد المغرب بمواد استراتيجية.
التبادل التجاري: فتح الباب أمام التجار البريطانيين للتعامل في الموانئ المغربية، مما جعل بريطانيا الشريك التجاري الأبرز للمغرب في تلك الحقبة.
▪︎ قيمة تاريخية وفنية
تظهر المخطوطة “الطغراء” السلطانية في أعلى الورقة، وهي عبارة عن ختم بيضاوي معقد يجسد قمة الخط المغربي المجوّد. ويرى خبراء التاريخ أن هذه الوثيقة تمثل ذروة القوة السياسية للمغرب في القرن الثامن عشر، حيث كان السلطان يفاوض القوى الأوروبية من موقع الند للند، ويضع شروطه لضمان سيادة الدولة على سواحلها.
▪︎ اهتمام المتاحف والمقتنين
أثار عرض هذه الوثيقة في فيينا اهتماماً كبيراً من قبل المتاحف الدولية والمقتنين العرب، نظراً لندرتها ولحالتها الورقية الجيدة رغم مرور أكثر من ثلاثة قرون على كتابتها. وتعتبر هذه الرسالة “شهادة ميلاد” للعلاقات الدبلوماسية الحديثة بين المملكة المغربية والمملكة المتحدة، والتي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا.
■ ما معنى كلمة الرنكة الخضراء؟
كلمة “الرنقة” (أو الرنكة) هي مصطلح مستخدم في العمارة والفنون المغربية الأندلسية، وهي تعريب للكلمة الإسبانية (Renca)، ويُقصد بها ذلك الإطار الزخرفي البيضاوي أو “الميدالية” التي تتوسط المخطوطات والرسائل السلطانية.
▪︎ وهذه دلالات “الرنقة الخضراء” في سياق هذه الوثيقة:
الخاتم السلطاني العلوي: في الوثائق المغربية القديمة، لم يكن الختم مجرد بصمة حبر، بل كان عملاً فنياً يتوسط الورقة. الرنقة هنا هي الشكل الهندسي البيضاوي الذي يحتوي على اسم السلطان ونسبه وعبارات التمجيد (مثل “الحمد لله وحده”).
رمزية اللون الأخضر: اختيار اللون الأخضر للرنقة والزخارف المحيطة بالرسالة ليس عشوائياً، فهو:
رمز الشرف: اللون الرسمي لآل البيت والأشراف العلويين، مما يعطي للرسالة صبغة دينية وسياسية مقدسة.
هيبة الدولة: كان يُستخدم لتمييز المراسلات “السيادية” الموجهة للملوك ورؤساء الدول الأجنبية، لتعكس فخامة القصر السلطاني.
الوظيفة الجمالية والأمنية: كانت هذه الرنقة تُصمم بطريقة معقدة يصعب تزويرها، وتُحيط بها خطوط وزخارف نباتية دقيقة (توريق)، مما يجعل الوثيقة “رسمية” وغير قابلة للتلاعب.
في المخطوطة المرفقة، تلاحظ أن “الرنقة الخضراء” تتصدر الثلث العلوي من الورقة كعلامة بصرية طاغية، توحي للمتلقي فوراً (حتى قبل قراءة النص) أن هذا الخطاب صادر من أعلى سلطة في البلاد.

تعليقات( 0 )