كاتب إسباني يحذر: من التخلي عن الصحراء إلى التهديد الذي يطال سبتة ومليلة والكناري

بقلم- خافيير غارسيا إيزاك•| عندما تتخلى حكومة ما عن تاريخها ومسؤوليتها الدولية، فإنها تفتح الباب للآخرين للتشكيك في السلامة الإقليمية لبلادها. إن هناك قرارات سياسية تحدد مصير الأوطان لعقود؛ قرارات تكشف ما إذا كانت الحكومة مستعدة للدفاع عن المصالح الوطنية، أم أنها تفضل التضحية بكرامة أمتها على مذبح المصالح الظرفية العابرة. ولا شك أن سياسة حكومة بيدرو سانشيز تجاه الصحراء الغربية تندرج تماماً تحت هذه الفئة الثانية.

مقالات ذات صلة

رسمياً.. الإعلان عن التشكيلة الكاملة لمكتب مجلس النواب ورؤساء الفرق واللجان الدائمة

العلاقات المغربية مع شرق ليبيا وأثرها على التوازنات في المنطقة المغاربية

كشفت عنها “إسبانيول”: مفاوضات متقدمة بين المغرب وإسرائيل تخص مسيرات وصواريخ “لورا”

 الملك يستقبل رئيسة الحكومة المكلفة بالرباط للاطلاع على مسار تشكيل الحكومة الجديدة

إن ما قام به سانشيز ليس مجرد تغيير في موقف دبلوماسي، بل هو أمر أخطر بكثير: إنه إضفاء للشرعية على احتلال، وقطيعة مع عقود من السياسة الخارجية الإسبانية دون نقاش برلماني، ودون إجماع وطني، ودون أي احترام للقانون الدولي. والمثير للقلق الأكبر هو أن هذا القرار قد يشكل سابقة خطيرة للغاية على إسبانيا.

▪︎ الصحراء الغربية: مقاطعة إسبانية مهجورة

لفهم حجم الخطأ الذي ارتكبته حكومة سانشيز، من الضروري استحضار التاريخ؛ فقد كانت الصحراء الغربية لعقود مقاطعة إسبانية، لم تكن مجرد مستعمرة عادية، بل إقليماً تديره

▪︎ خافير غارسيا إيزاك

▪︎ خافير غارسيا إيزاك

إسبانيا ومدمجاً قانونياً في الدولة. استمر هذا الوضع حتى عام 1975، عندما كانت إسبانيا تمر بإحدى أدق لحظات تاريخها المعاصر.

وبينما كان الجنرال فرانسيسكو فرانكو في نزاعه الأخير، استغل المغرب الضعف السياسي للدولة الإسبانية لإطلاق ما سمي بـ “المسيرة الخضراء”، وهي عملية ضغط سياسي وديموغرافي هدفت إلى إجبار إسبانيا على الخروج من الإقليم. وبدلاً من الدفاع عن حقوقها والوفاء بمسؤولياتها الدولية، اختارت الدولة الإسبانية الانسحاب.

مثلت “اتفاقيات مدريد” لعام 1975 عملياً تخلياً عن الإقليم، حيث سلمت إسبانيا إدارة الصحراء للمغرب وموريتانيا، دون استشارة الشعب الصحراوي ودون إجراء استفتاء تقرير المصير الذي طالبت به الأمم المتحدة. كان ذلك القرار بداية لنزاع مستمر إلى يومنا هذا، لكن تجدر الإشارة إلى حقيقة جوهرية: إسبانيا لم تنقل السيادة القانونية على الإقليم أبداً. ووفقاً لمبادئ الأمم المتحدة، ظلت إسبانيا لعقود هي القوة المدير للإقليم، وعليها التزام بتسهيل إجراء الاستفتاء. كان هذا هو التفويض الدولي، وكان الموقف الرسمي لإسبانيا لأكثر من أربعين عاماً.

▪︎ التحول الأحادي لبيدرو سانشيز

تغير كل ذلك في مارس 2022. فبدون نقاش برلماني، وبدون إجماع سياسي، ودون شرح الأسباب للشعب الإسباني، أرسل بيدرو سانشيز رسالة إلى الملك محمد السادس ملك المغرب يدعم فيها خطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية. بعبارة أخرى: دعمت إسبانيا فعلياً السيادة المغربية على الإقليم.

كان هذا تحولاً دبلوماسياً تاريخياً، تحولاً كسر عقوداً من الحياد الإسباني، وتجاهل قرارات الأمم المتحدة. والأهم من ذلك، كان تحولاً قرره رئيس الحكومة بشكل أحادي دون استشارة البرلمان الإسباني. والسؤال الذي يفرض نفسه: مَن خول بيدرو سانشيز لتغيير سياسة دولة استمرت لأكثر من أربعين عاماً؟ لا أحد.

▪︎ التبعية الاستراتيجية للمغرب

لم يكن الاعتراف بالموقف المغربي نتاج نقاش استراتيجي عميق أو رؤية جيوسياسية جادة، بل كان أقرب إلى فعل “خضوع سياسي”. فبعد الأزمة الديبلوماسية التي تسبب بها دخول زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، إلى إسبانيا، استخدم المغرب الهجرة غير النظامية كسلاح سياسي ضد إسبانيا. حيث عبر آلاف المهاجرين حدود سبتة أمام سلبية -إن لم يكن تعاون- السلطات المغربية.

أوضحت تلك الأزمة شيئاً واحداً: المغرب مستعد لاستخدام أي أداة ضغط لفرض تنازلات سياسية، وانتهى الأمر بسانشيز بالرضوخ.

▪︎ سابقة قد تنقلب ضد إسبانيا

إن أخطر ما في هذا القرار ليس مجرد الإهانة الدبلوماسية، بل السابقة التي خلقها. فإذا كان بإمكان دولة أن تعترف أحادياً بسيادة المغرب على الصحراء الغربية متجاهلة تفويض الأمم المتحدة، فما الذي يمنع دولاً أخرى من فعل الشيء نفسه مع أراضٍ إسبانية؟

باتباع منطق حكومة سانشيز، يمكن لدولة أخرى غداً أن تعترف بالسيادة المغربية على سبتة أو مليلة، بل ويمكن طرح قضية جزر الكناري، وهي الأراضي التي أطلقت حولها قطاعات معينة من القومية المغربية مطالب تاريخية عبثية. إن سبتة ومليلة وجزر الكناري لم تكن يوماً أراضٍ مغربية، لكن السابقة السياسية قد خُلقت بالفعل. فإذا قبلت إسبانيا منطق الضم المغربي للصحراء، فقد يستخدم الآخرون نفس المنطق تماماً.

▪︎ التاريخ يثبت أن المغرب لا يكتفي أبداً

تعتمد السياسة الخارجية المغربية على فكرة استراتيجية واضحة جداً: التوسع الإقليمي التدريجي. بدأ الأمر بالصحراء، وقبل ذلك طالب المغرب بسبتة ومليلة، وتظهر بشكل دوري خطابات سياسية في الرباط تلمح إلى حقوق تاريخية في جزر الكناري. ويثبت التاريخ أن كل تنازل إسباني كان يُفسر دائماً كعلامة ضعف، وليس كبادرة حسن نية.

▪︎ سياسة خارجية بلا “دولة”

تكمن المشكلة الجوهرية في أن إسبانيا كفت عن امتلاك سياسة خارجية “للدولة”؛ حيث تتصرف كل حكومة وفقاً لمصالحها الفورية، بلا استراتيجية، وبلا رؤية تاريخية، وبلا دفاع عن مكانة إسبانيا في العالم. إن الاعتراف الأحادي بخطة المغرب للصحراء هو مثال صارخ على هذه السياسة المرتجلة التي تضحي بالشرعية الدولية والمصالح الوطنية لحل أزمات دبلوماسية مؤقتة، لكن عواقب هذه القرارات قد تمتد لعقود.

▪︎ عندما تتخلى الحكومة عن الدفاع عن إسبانيا

يجب أن تدافع السياسة الخارجية لأي أمة عن ثلاثة أمور أساسية: تاريخها، سيادتها، ومصالحها الاستراتيجية. وقد تخلت حكومة بيدرو سانشيز عن الثلاثة معاً:

* تخلت عن التاريخ بإضفاء الشرعية على احتلال إقليم كان يجب حل تصفية استعماره عبر استفتاء.

* تخلت عن السيادة بقبول الابتزاز الدبلوماسي المغربي.

* تخلت عن المصالح الاستراتيجية بخلق سابقة قد يستخدمها الآخرون ضد إسبانيا.

▪︎ الدرس الذي لا يجب نسيانه

يظهر التاريخ أن الأمم التي تتخلى عن الدفاع عن مصالحها تنتهي بفقدانها. لقد ارتكبت إسبانيا خطأً في عام 1975 بالتخلي عن الصحراء الغربية، لكن ما فعله بيدرو سانشيز هو أمر أكثر خطورة. لا يتعلق الأمر بانسحاب “قسري” تمليه الظروف التاريخية (وهو أمر مشكوك فيه أصلاً)، بل يتعلق بقرار طوعي، أحادي، وغير مسؤول.

إنه قرار قد تنجم عنه عواقب لا يمكننا حتى تخيلها اليوم. فعندما تقرر حكومة ما أن السيادة والكرامة الوطنية هما أمران قابلان للتفاوض، فإنها تفتح الباب للآخرين ليقرروا أيضاً أي الأراضي الإسبانية يمكن أن تكون كذلك. حينها لن نتحدث عن الصحراء، بل سنتحدث عن سبتة، مليلة، أو حتى جزر الكناري. وعندما نصل إلى تلك النقطة، تتوقف “عدم المسؤولية” عن كونها مجرد سياسة، لتصبح خطأً تاريخياً، أو خيانة مباشرة للوطن.

• كاتب صحفي إسباني 

تعليقات( 0 )

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

مقالات ذات صلة

رسمياً.. الإعلان عن التشكيلة الكاملة لمكتب مجلس النواب ورؤساء الفرق واللجان الدائمة

العلاقات المغربية مع شرق ليبيا وأثرها على التوازنات في المنطقة المغاربية

كشفت عنها “إسبانيول”: مفاوضات متقدمة بين المغرب وإسرائيل تخص مسيرات وصواريخ “لورا”

 الملك يستقبل رئيسة الحكومة المكلفة بالرباط للاطلاع على مسار تشكيل الحكومة الجديدة

تحالف اليسار يندد بزيارة العاهل الإسباني لسبتة ومليلية ويصفها بـ “الخطوة الاستفزازية”

لمــاذا تــم إبعـــاد “التجمـــع الوطنــي للأحــــرار”؟