بقلم- بيدرو سانشيز°| لا أحد يغير سلوكه أمام كومة من الورق، حتى يخبره شخص ما بأن هذا “مال”. استخدم الفيلسوف “جون سيرل”، أحد أكثر المفكرين تأثيراً في كيفية عمل المؤسسات، هذا المثال البسيط لتوضيح حقيقة أعمق: إن الكثير من عالمنا الاجتماعي لا يوجد إلا لأننا اتفقنا جماعياً على وجوده. فخط على الخريطة يصبح “حدوداً”، وكلمات مكتوبة في معاهدة تصبح “التزامات ملزمة”، ونعم، قطعة ورق تصبح “ثروة”.
مقالات ذات صلة
رسمياً.. الإعلان عن التشكيلة الكاملة لمكتب مجلس النواب ورؤساء الفرق واللجان الدائمة
العلاقات المغربية مع شرق ليبيا وأثرها على التوازنات في المنطقة المغاربية
كشفت عنها “إسبانيول”: مفاوضات متقدمة بين المغرب وإسرائيل تخص مسيرات وصواريخ “لورا”
الملك يستقبل رئيسة الحكومة المكلفة بالرباط للاطلاع على مسار تشكيل الحكومة الجديدة
هذا “الخيال المشترك” هو ما يجعل الحياة في المجتمع ممكنة. المال هو أحد هذه الأخيلة، وكذلك النظام المتعدد الأطراف وقواعد القانون الدولي التي تنظم العلاقات بين الدول. ومع ذلك، فإن الكثيرين ممن لا يشككون أبداً في الخيال الأول (المال)، يسارعون إلى رفض الثاني. والسبب بسيط: بعض الأخيلة تضع حدوداً للقوة. وكسر النظام القائم على القواعد قد يكون مربحاً لقلة قليلة، لكنه يأتي على حساب الجميع.

في السنوات الأخيرة، اشتد الضغط على النظام الدولي على جبهتين. من ناحية، ترى بعض القوى الكبرى والصاعدة فرصة لإضعاف الأعراف القائمة وإعادة تشكيلها لمصلحتها الخاصة. والتعبير الأكثر وحشية لهذا التوجه هو الحرب نفسها؛ فغزو روسيا لأوكرانيا، والإبادة الجماعية المدمرة في غزة، والمحاولات الأحادية من جانب الولايات المتحدة لهندسة تغيير الأنظمة في فنزويلا والآن في إيران ــ وكل ذلك دون السعي حتى للحصول على قشرة من الموافقة الدولية ــ كلها إشارات إلى أن بعض الحكومات تتحدى علانية أسس النظام الدولي. والمنطق نفسه يظهر خارج ساحات القتال، في تحويل التجارة والتكنولوجيا وحتى تدفقات الهجرة إلى أسلحة؛ وهي أدوات تُستخدم بشكل متزايد لإكراه المنافسين وتقديم المصالح الجيوسياسية.
▪︎ الانسحاب لا يمر دون ملاحظة
من ناحية أخرى، يتعرض النظام العالمي القائم على القواعد للضغط عندما يختار القادة السياسيون، في مواجهة هذه الاعتداءات، الصمت أو الغموض بدلاً من الدفاع عن القانون الدولي. ففي سعيهم لتجنب المواجهة، يسقطون في فخ “التهدئة” (Appeasement) ــ وهو الاعتقاد الخاطئ بأن ضبط النفس سيهدئ من يكسرون القواعد. إنهم يعتقدون أن الكلمات لا يمكن أن تضر بالنظام الدولي كما تفعل القنابل، لكنهم مخطئون. فعندما يتعلق الأمر بالأعراف، “الكلمات تصنع العوالم”. وعندما تفشل القوى المتوسطة في الدفاع عن القواعد العالمية ــ أو الأسوأ من ذلك، تتخلى عنها ــ فإنها تسرع من تآكلها. إن الانسحاب لا يمر دون ملاحظة؛ فالحلفاء يرونه، والمنافسون يرونه، والدول الكبيرة والصغيرة على حد سواء تراه. وبمجرد أن يستنتج عدد كافٍ من الفاعلين أن القواعد لم تعد مهمة، يبدأ النظام في التفكك. وفي محاولتهم لحماية أنفسهم، ينتهي بهم الأمر إلى خلق الفوضى ذاتها التي يخشونها.
خلف هذه الديناميكيات تكمن فكرة بسيطة ولكنها خاطئة: وهي أن العودة إلى “مناطق النفوذ” في عالم متعدد الأقطاب ستفيد القوى الكبرى وتنتج توازناً مستقراً، وتفيد مواطنيها أيضاً. لكن التاريخ يوحي بخلاف ذلك؛ فعندما تختفي القواعد المشتركة، لا يظهر الاستقرار، بل يظهر التنافس، وهذا يؤدي إلى الصراع والفقر للجميع، أو للجميع تقريباً. يجب أن يدرك الناس أن الكثير مما نعتبره بديهيات ويجعل حياتنا لائقة ــ مثل النمو الاقتصادي، والأسواق الفاعلة، والرفاه الاجتماعي ــ يرتكز على الاستقرار والسلام الدوليين.
▪︎ التعددية واقع يومي وليست مثالاً مجرداً
إن النظام الدولي يقوم على اعتقاد مشترك: وهو أن القانون يمكن أن يكبح القوة، وأن الالتزامات يمكن أن تدوم لفترة أطول من المصالح الآنية، وأن التعاون يمكن أن يخفف من حدة التنافس. التعددية ليست مثالاً مجرداً، بل هي واقع يومي؛ وظيفة مصنع في ديترويت، سوبر ماركت مجهز جيداً في باريس، طالب في لندن، عطلة في اليابان. إن ازدهارنا يعتمد، قبل كل شيء، على شيء هش بقدر ما هو أساسي: الحفاظ على النظام القائم على القواعد. وإذا كان لا يزال لدى أي شخص شك، فليتخيل استدامة دول الرفاهية لدينا في عالم تدفع فيه حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل، أو انقطاع ثلث إمدادات الأسمدة العالمية بسبب الصراعات، أو تعطل طرق التجارة الرئيسية. هذا ليس سيناريو بعيداً، بل هو ما نواجهه عندما يسود “قانون القوة”. وهو الدليل على أن البديل الحقيقي الوحيد للنظام المتعدد الأطراف ليس “توازناً جديداً”، بل هو الاضطراب والفوضى.
ورغم ما يزعمه البعض، فإن النظام لا يخذل الناس؛ بل على العكس تماماً. فخلال السنوات الـ 75 الماضية، ساعد في تحقيق الفترة الأكثر ازدهاراً واستقراراً في تاريخ البشرية. حيث انخفضت الوفيات الناجمة عن النزاعات المسلحة بنحو النصف، وتضاعف نصيب الفرد من الدخل العالمي خمس مرات، وتوسعت التجارة الدولية بمقدار 40 مرة منذ عام 1950، مما رفع مستويات المعيشة عبر القارات، وانخفض الفقر المدقع من 60% إلى أقل من واحد من كل عشرة. هذا السجل ليس مثالياً، لكنه أفضل بكثير من أي بديل جربته البشرية.
▪︎ ضرورة الإصلاحات الهيكلية العاجلة
نحن بحاجة اليوم إلى أدوات الحوكمة العالمية أكثر من أي وقت مضى. تظل الدول القومية هي الفاعل المركزي، لكن العديد من تحدياتنا الحالية عابرة للحدود؛ فتغير المناخ، والهجرة، وحوكمة الذكاء الاصطناعي هي قضايا لا يمكن لدولة واحدة حلها بمفردها.
تتطلب هذه التحديات تعاوناً دولياً، والنظام المتعدد الأطراف هو الوحيد القادر على توفير ذلك، ولكن لكي يحقق النتائج المرجوة، لا بد من إصلاحات هيكلية عاجلة:
* مواكبة واقع القوة: يجب أن يعكس النظام ميزان القوى في القرن الحادي والعشرين. مجلس الأمن الدولي هو أوضح مثال على التناقض التاريخي؛ إذ تعكس عضويته وهيكله ونظام “الفيتو” فيه موازين عام 1945 لا موازين اليوم.
* الدمقرطة والشمول: يجب أن يصبح النظام أكثر ديمقراطية وتنوعاً. لا يمكن لدول “الجنوب العالمي” أن تظل مجرد متلقية للموارد، بل يجب أن تصبح فاعلة في صنع مستقبلها، وأن يكون لها صوت وتأثير حقيقي في المؤسسات الدولية.
* تعزيز القدرة على التنفيذ: القواعد لا تهم إلا إذا أمكن مراقبتها والدفاع عنها وتطبيقها. لفترة طويلة، كان من ينتهكون القواعد ينامون بسلام، بينما يكتفي من يحترمونها بإصدار بيانات “القلق العميق”. يجب أن يتغير هذا الميزان؛ يجب أن يشعر من يكسر القواعد بالضغط، وأن يتصرف من يدافعون عنها بالحزم الذي تطلبه اللحظة.
▪︎ النموذج الأوروبي كدليل
لا يوجد مكان يتضح فيه منطق التعددية أكثر من أوروبا. لقد ولد “الاتحاد الأوروبي” من درس قاسي: التنافس غير المنضبط أدى مرتين إلى كارثة. لذا، لم يكن القانون الدولي والمؤسسات المشتركة طموحات مثالية، بل كانت أدوات للبقاء أولاً، ثم للازدهار لاحقاً. بالنسبة لأوروبا، فإن التخلي عن التعددية لن يعيد لها السيادة، بل سيقلل من نفوذها. إن المشروع الأوروبي نفسه دليل على أن التعاون يمكن أن يروض التنافس، وأن القواعد يمكن أن تحول “الاعتماد المتبادل” من مصدر للضعف إلى مصدر للاستقرار والازدهار.
▪︎ فرصة القرن
إن الأزمة الحالية لا ينبغي التعامل معها باعتبارها تدهوراً حتمياً للتعددية، بل كاختبار لرغبتنا في تجديدها. أمامنا فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في كل جيل لإصلاح القواعد والمعايير والمؤسسات المشتركة عالمياً بدلاً من التخلي عنها. فبدونها، سيتحول ما يسمى بـ “الواقعية” سريعاً إلى شيء أكثر وحشية: “قانون الأقوى”.

تعليقات( 0 )