الإعلام العمومي بالمغرب: أزمة بنيوية أم انسحاب مقصود من التعددية؟

بقلم- عبد الصمد بن شريف°| يعرف المشهد الإعلامي المغربي اليوم واحدة من أكثر لحظاته التباسًا وتوترا. فالأزمة لم تعد تتعلق فقط بتراجع نسب المشاهدة أو فقدان جاذبية بعض النشرات الإخبارية وبعض البرامج، بل أصبحت أزمة بنيوية تمس وظيفة الإعلام نفسها ومعنى وجوده وحدود أدواره داخل مجتمع، يعيش تحولات سياسية وثقافية ورقمية متسارعة.

مقالات ذات صلة

رهان العبور الكبير.. حكومة الكفاءات على مشارف مغرب 2030

الرباط تحتضن المؤتمر الإقليمي الأول للناتو وشركائه حول مراقبة وتدبير الأسلحة الخفيفة والصغيرة

البطولة| قمة المحمدية تنتهي بـ “سيناريو دراماتيكي”.. تعادل مثير يمنح أكادير الصدارة أمام الجيش

رسائل “السكوت” الدبلوماسي: ماذا يُخفي التردد في برقية التهنئة بين الرباط ومدريد؟

لقد صار السؤال الموضوعي: هل ما يزال الإعلام العمومي في المغرب يؤدي دور الوسيط بين الدولة والمجتمع؟ أم أنه تحول تدريجيًا إلى جهاز لإدارة الانطباع العام، وإعادة إنتاج السردية الرسمية بصيغ مختلفة؟

إن جزءًا أساسيا من منظومة الإعلام العمومي، لم يعد ينقل الواقع كما هو، بل كما ينبغي أن يبدو. لم يعد يشتغل بمنطق الكشف والتفسير والمساءلة، بل بمنطق الانتقاء والاحتواء

▪︎ عبد الصمد بن شريف

▪︎ عبد الصمد بن شريف

والتدبير الرمزي للصورة العامة. فالنشرات تتشابه، والحوارات تدور في حلقات مغلقة. والأسئلة تُصاغ غالبًا بطريقة تمنع اي تفاعل حقيقي في النقاش العمومي. حتى البرامج الحوارية التي تسمى تجاوزا “سياسية”و التي يفترض أن تكون فضاءات للمساءلة العميقة، تحولت في كثير من الأحيان إلى طقوس شكلية لإعادة تدوير الخطاب ذاته، بنفس الوجوه، ونفس اللغة الخشبية، ونفس الحرص على عدم الاقتراب من مناطق التوتر الحقيقي.وبالمقايل تم استغلالها كمنصة لإنتاج وإنعاش الشعبوية التي تلهث وراء البوز وترسخ ممارسة إعلامية سطحية تتقن التهريج والصراخ والمزايدات المجانية ،للتغطية على الخصاص المهني والفقر الثقافي والضمور اللغوي. مع وجود استثناءات قليلة يتم تعويمها عمدا وسط بحر متلاطم من الضجيج والتسطيح.

المشكلة هنا ليست تقنية ولا مهنية فقط، بل سياسية وثقافية أيضًا. لأن الإعلام حين يفقد جرأة السؤال ووضوح الخط التحريري، يتحول من سلطة رمزية مستقلة نسبيًا إلى مجرد امتداد ناعم لمنطق السلطة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ففي زمن انفجار المعلومة، وتعدد المنصات، وتفكك الاحتكار التقليدي للخبر، ما يزال جزء من الإعلام العمومي يتصرف بعقلية زمن كانت فيه الدولة تتحكم في تدفق المعلومة وفي إيقاع النقاش العمومي. بينما الواقع تغير جذريًا، والجمهور تغير، وأدوات إنتاج الوعي تغيرت بالكامل.

لقد استاء الجمهور من هذا الإعلام منذ سنوات، أو على الأقل فقد ثقته فيه كمصدر رئيسي للفهم والتفسير. ولم يكن الإعلام البديل، أو المنصات الرقمية، أكثر احترافية بالضرورة، لكنه امتلك سلاحا حاسمًا افتقده الإعلام التقليدي: الجرأة على الاقتراب من انشغالات الناس، والتقاط نبض المجتمع، وطرح ما يعتبره الإعلام الرسمي مناطق محرمة أو غير مريحة. وهكذا، لم ينتصر الإعلام البديل لأنه أكثر جودة ومهنيةوحرية، بل لأن الإعلام التقليدي انسحب تدريجيًا من وظيفته الأساسية، وترك فراغًا ملأته الشعبوية والإثارة والتضليل أحيانًا.

غير أن أخطر ما يواجهه المغرب اليوم، ليس فقط صعود المنصات الرقمية غير المهنية، بل إصرار المؤسسات الرسمية على عدم استخلاص العبر والدروس. فبدل فتح ورش حقيقي لإصلاح وإعادة بناء الإعلام العمومي على أسس جديدة، يبدو أن هناك ميلًا إلى مزيد من التحكم، ومزيد من التدجين، ومزيد من هندسة المجال الإعلامي المغربي بطريقة تضمن إنتاج خطاب متجانس وآمن سياسيًا، حتى وإن كان فاقدًا للجاذبية والتأثير والمصداقية.

ويتجلى ذلك بوضوح في الجدل الكبير الذي رافق إخراج مشروع القانون المنظم للمجلس الوطني للصحافة. فبدل أن يشكل هذا الورش لحظة لإعادة بناء الثقة داخل الجسم الصحافي، وتحقيق مصالحة مهنية ومؤسساتية، تحول إلى ساحة سجالات حادة، وتصفية حسابات، واستقطابات حادة، وشعور متزايد لدى فاعلين كثيرين بأن القانون ،لم تتم صياغته بمنطق المصلحة العامة، بل بمنطق هندسة توازنات محددة سلفًا.

لقد شعرت مجموعة من مكونات الحقل الإعلامي المغربي، أن الأمر لم يكن مجرد نقاش تشريعي طبيعي، بل عملية “خياطة سياسية ومؤسساتية”على مقاس مكونات بعينها، اختارتها السلطة الوصية، كشركاء مفضلين لبناء نموذج إعلامي يؤمن بالصوت الواحد والسرديةالواحدةوالنمطية. نموذج يبدو في ظاهره حديثًا و وحداثيا ومنظمًا ومهنيًا، لكنه في العمق يميل إلى إنتاج إعلام منضبط، مطيع، قليل الإزعاج، ومتوافق بالكامل مع السردية الرسمية للدولة والحكومة.

وهنا تديضيع المعنى الجوهري والدلالة الحقيقية للإعلام ،باعتباره فضاءً للتعدد وطرح الأسئلة المشروعة واختلاف الرؤى والمقاربات والقراءات. لأن الإعلام الذي يُبنى بمنطق الولاء أكثر مما يُبنى بمنطق الكفاءة والاستقلالية، ينتهي غالبًا إلى إعلام فاقد للحيوية، عاجز عن الإبداع، ومفصول عن المجتمع. وعن المحيط الإقليمي والدولي.

والأخطر من ذلك أن هذا المسار استنزف زمنًا سياسيًا ومؤسساتيًا هائلًا. سنوات من النقاشات والصراعات والتجاذبات، كان يمكن استثمارها في التفكير في مستقبل الإعلام المغربي داخل الثورة الرقمية الكبرى التي يعيشها العالم. بينما كانت دول كثيرة تعيد تعريف مفهوم الخدمة العمومية الإعلامية، وتطوّر نماذج جديدة للإنتاج الرقمي، وتستثمر في الصحافة الاستقصائية والذكاء الاصطناعي والمنصات التفاعلية، كان جزء من النقاش المغربي غارقًا في من يسيطر على المؤسسة، ومن يحتكر التمثيلية، ومن يملك شرعية الحديث باسم المهنة.

إن الإصرار على الحفاظ على إعلام عمومي جامد، منغلق، وبطيء الحركة، يطرح سؤالًا سياسيًا وثقافيًا عميقًا: ماذا تريد الدولة فعلًا من إعلامها العمومي-،الرسمي؟ هل تريده فضاءً للنقاش الحر وبناء الثقة الجماعية؟ أم مجرد جهاز لترسيخ الاستقرار الرمزي وإعادة إنتاج الخطاب الرسمي؟

لا يمكن فهم هذا الجمود أيضًا دون التوقف عند مسألة إعادة تدوير النخب التدبيرية نفسها لعقود داخل مؤسسات استراتيجية. فحين تستمر الوجوه ذاتها، والعقليات ذاتها، وأساليب التدبير ذاتها، فمن الطبيعي أن يعاد إنتاج الخطاب نفسه، بنفس اللغة، ونفس الأدوات، ونفس النتائج ونفس الخوف من المغامرة والتجديد والتغيير .

إن الاحتفاظ لزمن طويل بمسؤولين بعينهم داخل قطاع شديد الحساسية والتحول مثل الإعلام، لا يمكن عزله عن طبيعة الرؤية التي تؤطر هذا المجال. فهناك دائمًا خوف ضمني وتوجس من البدائل، ومن المسارات والوجوه التي قد تمتلك استقلالية أكبر، و خيالًا مهنيًا مختلفًا، و قدرة على إحداث تحولات فعلية وملموسة داخل المؤسسات. ولذلك يصبح استمرار عدد من المسؤولين قيمة بحد ذاته، حتى لو كان الثمن هو الجمود وفقدان التأثير وإجهاض أي مبادرة للإبداع والإصلاح والتأهيل.

وهنا يطرح سؤال يفرض نفسه بإلحاح: هل يعقل أن تكون الدولة عاجزة عن إنتاج بدائل مقنعة وقادرة على إحداث الفارق ، داخل نفس الشروط وبنفس الإمكانيات أم أنها مطمئنة تجاه النموذج التدبيري الذي راكم الإخفاقات وتعرض لموجات من النقد على امتداد عقود؟ هل أصبح القطاع خاليا من الكفاءات فعلًا؟ أم أن هناك خوارزميات غير مرئية ،تتحكم في منطق الاختيار والتعيين وإعادة التدوير، وفق اعتبارات لا علاقة لها دائمًا بالكفاءة والمهنية والقدرةعلى تحقيق القيمةالمضافة؟

في الواقع إن المغرب لا يعاني نقصًا في الطاقات الإعلامية والثقافية، بل يعاني غالبًا من ضعف الثقة في هذه الطاقات، ومن غياب إرادة حقيقية لتحرير المؤسسات من منطق التدبير المحافظ والمنغلق .فالتجارب العالمية تثبت أن الأشخاص يمكن أن يصنعوا فارقًا هائلًا حين تتوفر لديهم الرؤية المؤسساتية، والقدرة على الابتكار والتغيير ،ولاستقلالية والوضوح في الأهداف والخيال المهني، و أيضا القدرة على فهم التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية العميقة وطنيا ودوليا.

إن الإعلام اليوم لم يعد مجرد استوديوهات وكاميرات ونشرات أخبار. إنه صناعة لخطاب وهندسة و تشكيل لرأي عام ولمحتوى.وهو إدارة للثقة وقدرة على التقاط التحولات الدقيقة داخل المجتمع. وفي عالم تحكمه السرعة والمنصات الرقمية والخوارزميات، لا يمكن مواجهة المستقبل بعقليات بيروقراطية بطيئة متفرغةلخدمةمصالحها الضيقةوالانتصارلأجندة معينة، أو بخطاب دعائي متجاوز، أو بمنطق يعتبر أن التحكم والضبط أهم من التأثير والتفسير.

والمفارقة أن الدولة نفسها قد تكون أول المتضررين من هذا الوضع. لأن الإعلام الضعيف لا يحمي المؤسسات، بل يضعفها. والإعلام الذي يفقد ثقة الناس في خطابه وعرضه، يفتح الباب أمام الفوضى والإشاعة والتطرف والشعبوية وفقدان الثقة في كل شيء.

لقد آن الأوان للانتقال إلى سؤال أكثر عمقًا: أي إعلام يحتاجه المغرب فعلًا في هذه المرحلة التاريخية؟إعلام يكرر نفسه منذ سنوات؟ أم إعلام يمتلك الشجاعة لقول الحقيقة، والقدرة على مساءلة الجميع، والكفاءة لإنتاج معنى جديد للعلاقة بين الدولة والمجتمع؟

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي بلد، ليس وجود إعلام مهني ناقد ومزعج ومستفز بالمعنى الإيجابي للكلمة ، بل وجود إعلام بلا @روح… يكرر نفسه إلى أن يفك المجتمع الارتباط به، ويققد الرغبة والقدرة على الإصغاء إليه والتفاعل معه.

▪︎ مذيع سابق بالقناة الثانية – دوزيم/ مدير سابق لقناة الثقافية

تعليقات( 0 )

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

مقالات ذات صلة

رهان العبور الكبير.. حكومة الكفاءات على مشارف مغرب 2030

الرباط تحتضن المؤتمر الإقليمي الأول للناتو وشركائه حول مراقبة وتدبير الأسلحة الخفيفة والصغيرة

البطولة| قمة المحمدية تنتهي بـ “سيناريو دراماتيكي”.. تعادل مثير يمنح أكادير الصدارة أمام الجيش

رسائل “السكوت” الدبلوماسي: ماذا يُخفي التردد في برقية التهنئة بين الرباط ومدريد؟

العسري يهاجم التحالف الرباعي ويؤكد: “الإصرار على عقاب الشعب ينسف الرهان على التجاوب الفعال”

ولي العهد الأمير مولاي الحسن يفتتح الدورة الـ 17 لمعرض الفرس بالجديدة